ابن عجيبة

281

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بالفعل أم لا . وعن علي رضي اللّه عنه : إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه ، فيدخل تحتها . وعن الفضيل : أنه قرأها ، ثم قال : ذهبت الأماني هاهنا . وعن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أنه كان يرددها حتى قبض . وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ ما لا يرضاه اللّه ؛ من العلو والفساد وغير ذلك . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ؛ ذاتا وقدرا ووصفا ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ؛ ما لا يرضاه اللّه تعالى ، فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ، أصله : فلا يجزون ، وضع الظاهر موضع المضمر ؛ لما في إسناد السيئات إليهم من تقبيح رأيهم وتسفيه أحلامهم ، وزيادة تبغيض السيئات إلى قلوب السامعين ، إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ؛ إلا جزاء عملهم فقط ، ومن فضله العظيم ألا يجزى السيئة إلا مثلها ، ويجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة . الإشارة : جعل اللّه الدار الآخرة للمتواضعين ، أهل الذل والانكسار ، والعاقبة المحمودة - وهي الوصول إلى الحضرة - للمتقين الشهرة والاستكبار ، وفي الحكم : « ادفن نفسك في أرض الخمول ؛ فما نبت ممّا لم يدفن ؛ لا يتمّ نتاجه » . قال في التنبيه : لا شئ أضر على المريد من الشهرة وانتشار الصيت ؛ لأن ذلك من أعظم حظوظه ، التي هو مأمور بتركها ، ومجاهدة النفس فيها ، وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ . ه . وكان شيخ شيخنا يقول : نحب المريد أن يكون قدمه أعظم من صيته ، ولا يكون صيته أعظم من قدمه . ه . وقال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه : ما صدق اللّه من أحب الشهرة . وقال بعضهم : طريقتنا هذه لا تصلح إلا بأقوام كنست بأرواحهم المزابل . وقال أيوب رضي اللّه عنه : ما صدق عبد إلا سرّه ألا يشعر بمكانه . وقال في القوت : ومتى ذل العبد نفسه ، واتضع عندها ، فلم يجد لذلته طعما ، ولا لضعته حسما ، فقد صار الذل والتواضع كونه ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص في نفسه ، ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه . فصارت الذلة والضعة صفة لا تفارقه ، لازمة لزوم الزبالة للزبال ، والكساحة للكساح ، هما صنعتان له كسائر الصنائع . وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما . فهذه ولاية عظيمة له من ربه ، قد ولّاه على نفسه ، وملّكه عليها ، فقفرها بعزه ، وهذا مقام محبوب ، وبعده المكاشفات بسرائر الغيوب . ثم قال : ومن كان حاله مع اللّه تعالى الذل طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ، ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش نفسه . ه . قلت : وهذا مقام من المقامات ، والعارف الكامل لا يتغير قلبه على فقد شئ ؛ إذ لم يفقد شيئا بعد أن وجد اللّه ، ( ماذا فقد من وجدك ) . والذي ذكره في القوت هو حال السائرين الصادقين . وباللّه التوفيق . « 1 »

--> ( 1 ) من مناجاة سيدي ابن عطاه اللّه السكندرى ، انظر الحكم بتويب المتقى الهندي / 42 .