ابن عجيبة
269
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال البيضاوي : وأصله : فعموا عن الأنباء ، لكنه عكس ؛ مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج ، فإن أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره ، والمراد بالأنباء : ما أجابوا به الرسل ، أو : ما يعمها وغيرها ، فإذا كانت الرسل يتلعثمون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ، ويفوضون إلى علم اللّه تعالى ؛ فما ظنك بالضلال من البهم ؟ . ه . فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ؛ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب ؛ لفرط الدهشة ، أو : عن العذر والحجة ، عسى أن يكون عندهم عذر أو حجة . فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ بربه وبمن جاء من عنده ، وَعَمِلَ صالِحاً أي : جمع بين الإيمان والعمل ، فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ؛ من الفائزين عند اللّه بالنعيم المقيم . و « عسى » ، من الكرام ، تحقيق . وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام ، وترغيب للكافرين في الإيمان . وباللّه التوفيق . الإشارة : قال الذين حق عليهم القول ؛ بالانحطاط عن درجة المقربين ، والبقاء مع عامة أهل اليمين ، وهم الصادّون الناس عن الدخول في طريق القوم : ربنا هؤلاء الذين أغوينا ؛ زينا لهم البقاء مع الأسباب ، والوقوف مع العوائد ، أغويناهم كما غوينا ، فحيث لم نقو على مقام أهل التجريد ، قوينا سوادنا بهم ، تبرأنا إليك ؛ لأنا لم نقهرهم ، ولكن وسوسنا لهم ذلك ، ما كانوا إيانا يعبدون ، ولكن عبدوا هوى أنفسهم . ثم يقال لهم : ادعوا ما كنتم تعبدونه من حظوظ الدنيا وشهواتها ، فدعوهم ؛ فلم يستجيبوا لهم ، ورأوا عذاب القطيعة ، لو أنهم كانوا يهتدون إلى اتباع أهل التربية ؛ ما وقعوا في ذلك . ويوم يناديهم فيقول : ماذا أجبتم الداعين ، الذين أرسلتهم في كل زمان ، يدعون إلى اللّه ، ويرفعون الحجاب بينهم وبين ربهم ، فعميت عليهم الأنباء يومئذ ، فهم لا يتساءلون عن أحوال المقربين ، لغيبتهم عنهم . واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن اللّه تعالى بعض صفاته الحسنى ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 68 إلى 70 ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 ) يقول الحق جل جلاله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، لا موجب عليه ، ولا مانع له ، وفيه دلالة على خلق الأفعال . وَيَخْتارُ ما يشاء ، لا اختيار لأحد مع اختياره . قال البيضاوي : وظاهره : نفى الاختيار عنهم رأسا ،