ابن عجيبة

264

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي : جهلة ، لا ينفطنون ولا يتفكرون حتى يعلموا أنه لا يهملهم من حفظه ورعايته ، إن أسلموا . وقيل : يتعلق بقوله : مِنْ لَدُنَّا ، أي : قليل منهم يتدبرون ، فيعلمون أن ذلك رزق من عند اللّه ، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك ، ولو علموا أنه من عند اللّه ؛ لعلموا أن الخوف والأمن من عند اللّه ، ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ترى كثيرا من الناس ، ممن أراد اللّه حرمانه من الخصوصية ، يتعلل بهذه العلل الواهية ، يقول : إن دخلنا في طريق القوم ؛ رفضنا الناس ، وأنكر علينا أقاربنا ، ونخاف الضيعة على أولادنا . يقول تعالى لهم : أو لم أمكّن لأوليائي ، المتوجهين إلى حضرة القدس ، حرما آمنا تجبى لأهلها الأرزاق من كل جانب ، بلا حرص ولا طمع ولا سبب ، ولكن أكثر الناس ؛ جهالا بهذا ، وقفوا مع العوائد ، فحرموا الفوائد ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ثم خوفهم بقوله : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) قلت : « كم » : منصوب بأهلكنا . والبطر : الطغيان عند النعمة . قال في القاموس : البطر - محركة : النشاط ، والأشر ، وقلة احتمال النعمة ، والدهش ، والحيرة ، والطغيان بالنعمة ، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية ، فعلى الكل : كفرح . ه . و ( معيشتها ) : نصب بحذف الجار واتصال الفعل ، أي : في معيشتها . وجملة ( لم تسكن ) : حال ، والعامل فيها : الإشارة . يقول الحق جل جلاله : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ، أي : كثيرا أهلكنا من أهل قرية ، كانت حالهم كحالهم في الأمن والدعة ، وخصب العيش ، من وصفها بَطِرَتْ في مَعِيشَتَها ، أي : طغت وتجبرت ولم تشكر ، بل قابلتها بالبطر والطغيان . قال القشيري : لم يعرفوا قدر نعمتهم ، ولم يشكروا سلامة أموالهم ، وانتظام أمورهم ، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم ، وخرّوا في وهدة الطغيان على أذقانهم ، فدمر اللّه عليهم وخرب ديارهم . فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ خاوية ، أو : فتلك منازلهم باقية الآثار ، يشاهدونها في الأسفار ؛ كبلاد ثمود ، وقرى لوط ، وقوم شعيب ، وغيرهم ، لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا من السكنى ، أي : لم يسكنها إلا المسافر ، أو مار