ابن عجيبة

261

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، ثم آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ورجل مملوك أدى حق اللّه وحق مواليه ، ورجل كانت عنده أمة فأعتقها وتزوجها » « 1 » . وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ؛ يدفعون الخصلة القبيحة بالخصلة الحسنة ، يدفعون الأذى بالسلم ، والمعصية بالطاعة . وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ؛ يتصدقون ، أو يزكون ، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ ؛ الباطل ، أو الشتم من المشركين ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا للاغين : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ؛ أمان منا عليكم ، لا نقابل لغوكم بمثله ، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ؛ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم ، أو : لا نبتغي دين الجاهلين ، أو محاورة الجاهلين وجدالهم ، أو : لا نريد أن نكون جهالا . وفي السير : أن أصحاب النجاشي لمّا كلمهم جعفر رضي اللّه عنه في مجمع النجاشي ، بكوا ، ووقر الإسلام في قلوبهم ، فقدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ، فقرأ عليهم القرآن ، فأسلموا ، وقالوا : آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا . . الآية . فلما خرجوا من عنده صلى اللّه عليه وسلم ؛ استقبلتهم قريش فسبوهم ، وقالوا : ما رأينا قوما أحمق منكم ، تركتم دينكم لمجلس ساعة مع هذا الرجل ، فقالوا لهم : سَلامٌ عَلَيْكُمْ . . إلخ « 2 » . الإشارة : من تحمّل من العلماء مشقة تحمّل العلم الظاهر ، ثم ركب أهوال النفس ومحاربتها في تحصيل العلم الباطن ، فهو ممن يؤتى أجره مرتين ، وينال عز الدارين ضعفين ؛ بسبب صبره على العلمين ، وارتكاب الذل مرتين ، إذا اتصف بما اتصف به أولئك ، بحيث يدرأ بالحسنة السيئة ، وينفق مما رزقه اللّه من الحس والمعنى ، كالعلوم والمواهب ، ويعرض عن اللغو - وهو كل ما يشغل عن شهود اللّه - ويحلم عن الجاهل ، ويرفق بالسائل . وباللّه التوفيق . ولما حرص صلى اللّه عليه وسلم على إسلام عمه ، نزل : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 56 ] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( العلم ، باب تعليم الرجل أمته وأهله ح 97 ) ، ومسلم في ( الإيمان ، باب وجوب الإيمان برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى جميع الناس ، 1 / 134 ، ح 241 ) من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه . ( 2 ) عزاه ابن كثير في تفسيره ( 3 / 394 ) لمحمد بن إسحاق في السيرة .