ابن عجيبة

247

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : فجاءته - أي : القلب - إحدى الخصلتين ؛ الفناء والبقاء ، تمشى على مهل وقدر ؛ فإن الوصول إلى المقامات إنما يكون بتدريج ، على حسب القدر السابق . قالت إحدى الخصلتين : إن ربى يدعوك إلى حضرته ؛ ليجزيك أجر ما سقيت ، واستعملت في جانب الوصول إلينا . فلما جاءه ، أي : وصل إليه ، وتمكن منه ، وقص عليه القصص ، وهو ما جرى له مع نفسه وجنودها من المجاهدات والمكابدات ، قال : لا تخف اليوم ، حين وصلت إلينا ، نجوت من القوم الظالمين ، قالت إحداهما : يا رب استأجره في العبودية ؛ شكرا ، إن خير من استأجرت القوى الأمين ؛ لأن عمله باللّه ، محفوفا برعاية اللّه ، قال : إني أريد أن أعطيك إحدى الخصلتين ، إما الإقامة في الفناء المستغرق ، أو الرجوع إلى البقاء المستفيق ، لتقوم بالأدب ، على أن تخدم ثماني حجج ، فإن أتممت عشرا ، لزيادة التمكين ، فمن عندك ، فأقل خدمة المريد للشيخ ثماني سنين ، ونهايتها نهاية التمكين . قال الورتجبي : لأن شعيبا ، عليه السّلام رأى بنور النبوة أن موسى عليه السّلام يبلغ درجة الكمال في ثماني حجج ، ولا يحتاج إلى التربية بعد ذلك ، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج ؛ لأنه رأى أن بعد العشرة لا يبقى مقام الإرادة ، ويكون بعد ذلك حرا ، ولذلك قال : وما أريد أن أشق عليك . ه . ثم ذكر رجوع موسى إلى مصر ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 29 إلى 32 ] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « قضى أبعدهما وأطيبهما » « 1 » ، وفي رواية : « أبرهما وأوفاهما » ، وَسارَ بِأَهْلِهِ أي : امرأته ، نحو مصر ، قال مجاهد : ثم استأذن موسى أن يزور

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الشهادات ، باب من أمر بإنجاز الوعد ح 2684 ) ، عن ابن عباس ، موقوفا . وأخرجه البزّار ( كشف الأستار 3 / 63 ) ، والحاكم في ( التفسير 2 / 407 ) ، والطبري ( 20 / 68 ) ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ مرفوعا . وانظر : الفتح السماوي ( 2 / 893 - 894 ) .