ابن عجيبة
233
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
القواد . عَسى أَنْ يَنْفَعَنا ؛ فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع ، وذلك لما عاينت من النور وبرء البرصاء . أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ؛ أو : نتبناه ؛ فإنه أهل لأن يكون ولد الملوك . قال تعالى : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ما يكون من أمره وأمرهم ، أو : لا يشعرون أن هلاكهم على يديه ، أو : لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يقال لمن يعالج تربية مريد : أرضعه من لبن علم الغيوب ، فإذا خفت عليه الوقوف مع الشرائع « 1 » ، فألقه في اليم ؛ في بحر الحقائق ، ولا تخف ولا تحزن ، إنا رادوه إلى بر الشرائع ، ليكون من الكاملين ، لأن من غرق في بحر الحقيقة ، على يد شيخ كامل ، لا بد أن يخرجه إلى بر الشريعة ، ويسمى البقاء ، وهو القيام برسم الشرائع ، فالبقاء يطلب الفناء ، فمن تحقق بمقام الفناء ؛ فلا بد أن يخرج إلى البقاء ، كما يخرج من فصل الشتاء إلى الربيع . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ، ما كان التقاط فرعون لموسى إلا للمحبة والفرح ، فخرج له عكسه . ومن هذا كان العارفون لا يسكنون إلى شئ ، ولا يعتمدون على شئ ؛ لأن العبد قد يخرج له الضرر من حيث النفع ، وقد يخرج له النفع من حيث يعتقد الضرر ، وقد ينتفع على أيدي الأعداء ، ويضرّ على أيدي الأحبّاء ، فليكن العبد سلما بين يدي سيده ، ينظر ما يفعل به . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * . ثم قال تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : وَأَصْبَحَ أي : صار فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من كل شئ إلا من ذكر موسى وهمه ، أو : فارغا : خاليا من العقل ؛ لما دهمها من الجزع والحيرة ، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ، ويؤيده قراءة ابن محيصن : « فزعا » ؛ بالزاي بلا ألف ، أو : فارغا من الوحي الذي أوحى إليها أن تلقيه في اليم ، ناسيا
--> ( 1 ) أي : الوقوف الظاهري ، الشكلانى ، دون تحقق القلب والنفس بحقائق الإيمان ولوازمه . فهذا هو الذي يخاف منه ، مثل وقوف الخوارج ، الذين وصفهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأن إيمانهم لا يجاوز حناجرهم ، وأن قراءتهم لا تجاوز تراقيهم ، وأن صلاتهم لا تجاوز تراقيهم ، أي : أن تعبدهم وتدينهم هو تدين برّانى ، شكلانى ، لا ينبثق من الأعماق ، من الكيان الجواني للإنسان .