ابن عجيبة
222
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر النفخ في الصور ، وما يكون بعده من الأهوال ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 87 إلى 90 ] وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ( 87 ) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ( 88 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 ) يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - عليه السّلام - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لما فرغ اللّه تعالى من خلق السماوات والأرض ، خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص بصره إلى العرش ، حتى يؤمر ، قال : قلت : كيف هو ؟ قال : عظيم ، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض » وفي حديث آخر : « فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ، فيؤمر بالنفخ فيه ، فينفخ نفخة ، لا يبقى عندها في الحياة أحد ، غير من شاء اللّه تعالى ؛ وذلك قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ « 1 » ، ثم يؤمر بأخرى ، فينفخ نفخة لا يبقى معها ميت إلا بعث » . وفي رواية : « فينفخ نفخة البعث ، فتخرج الأرواح ، كأنها النحل ، فتملأ ما بين السماء والأرض ، وتأتى كل روح إلى جسدها ، كما تأتى النحل إلى وكرها . وذلك قوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ « 2 » . قال أبو السعود : والذي يستدعيه النظم الكريم أن المراد بالنفخ هاهنا : النفخة الثانية ، وفي الفزع في قوله تعالى : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ما يعترى الكل عند البعث والنشور ، بمشاهدة الأمور الهائلة ، الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق ، من الرعب والتهيب ، الضروريين ، الجبلين في كل نفس . وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه مضارعا ؛ للدلالة على تحقق وقوعه . ه . وظاهره أن النفخ مرتان فقط ، واعتمده القرطبي وغيره ، وصحح ابن عطية أنها ثلاث ، وروى ذلك عن أبي هريرة : نفخة الفزع ؛ وهي فزع حياة الدنيا ، وليس بالفزع الأكبر ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام من القبور .
--> ( 1 ، 2 ) من الآية 68 من سورة الزمر .