ابن عجيبة

217

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وفيه تنبيه على أن صاحب الحق حقيق بالوثوق باللّه في نصرته . وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن ، بنفي ما رموه من كونه أساطير الأولين . ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين . ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه ، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم . ثم بيّن سبب طعنهم في القرآن ، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك ؛ لكونهم موتى صما ، لا حياة لهم ولا سمع استبصار ، قال تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ، شبّهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر ، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ أي : الدعوة إلى أمر من الأمور إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ عنك . وتقييد النفي بالإدبار ؛ لتكميل التنبيه وتأكيد النفي ، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي ، مولون على أدبارهم . ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء ، مع كون الداعي بمقابلة صماخه ، قريبا منه ، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه ؟ . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هداية موصلة إلى المطلوب ، كما في قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ « 1 » ؛ فإن الاهتداء منوط بالبصر في الحس ، وبالبصيرة في المعنى . ومن فقد هما لا يتصور منه اهتداء ، و « عن » متعلق بهادي ؛ باعتبار تضمنه معنى الصرف ، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفى الهداية . إِنْ تُسْمِعُ أي : ما تسمع سماعا يجدى السامع وينفعه إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي : من علم اللّه أنهم يؤمنون بآياته . فَهُمْ مُسْلِمُونَ ؛ مخلصون ، من قوله : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ « 2 » أي : جعله سالما للّه خالصا . جعلنا اللّه ممن أسلم بكليته إليه . آمين . الإشارة : إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة ، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة ، رجع فيه إلى الكتاب العزيز ، أو السنّة المحمدية ، أو الإجماع ، أو القياس ، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية ، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية ، من طريق الأذواق أو العلوم ، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية ، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب . فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام ، والوساوس من القلوب المسوسة ، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم ، ومن جمع بين الظاهر والباطن ، رجع إليه في الأمرين معا . ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة ، ليردهم إلى الحق ، فدخل عليه رجل من القراء ، يقال له : أبو مروان ، فسلّم عليه ، فقال له الشيخ : اقرأ علينا آية من كتاب اللّه ، فأجرى اللّه على

--> ( 1 ) من الآية 56 من سورة القصص . ( 2 ) من الآية 112 من سورة البقرة .