ابن عجيبة
214
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 69 إلى 70 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان باللّه - عز وجل - وحده ، واليوم الآخر ، الذي ينكرونه ، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولى البصائر . وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين ، لطف بالمسلمين ، بترك الجرائم ، وحث لهم على الفرار منها ، كقوله : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ « 1 » و مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا « 2 » . ثم قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي : لأجل أنهم لم يتبعوك ، ولم يسلموا فيسلموا . وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ ؛ في حرج صدر مِمَّا يَمْكُرُونَ ؛ من مكرهم وكيدهم ، أي : فإن اللّه يعصمك من الناس . يقال : ضاق ضيقا - بالفتح والكسر . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي : وعد العذاب التي تعدنا ، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذّب . والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك . قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ أي : تبعكم ولحقكم . استعجلوا العذاب ، فقيل لهم : عسى أن يكون ردف ، أي : قرب لكم بعضه . وهو عذاب يوم بدر ، واللام زائدة للتأكيد . أو : ضمّن الفعل معنى يتعدّى باللام ، نحو : دنا لكم ، أو : أزف لكم . وعسى ولعل وسوف ، في وعد الملوك ووعيدهم ، يدل على صدق الأمر ، وجدّه ، وعلى ذلك جرى وعد اللّه ، ووعيده . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي : إفضال وإنعام على كافة الناس . ومن جملة إنعامه : تأخير العقوبة عن هؤلاء ، بعد استعجالهم لها ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ أي : أكثرهم لا يعرفون حق النعمة ، ولا يشكرونها ، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب ، كدأب هؤلاء . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار ، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة . ومن أجلّ ما يتفكر فيه الإنسان : ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان ، من تجرع كأس الحمام ، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام ، فندموا حيث لم ينفع الندم ، وقد زلّت بهم القدم ، فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا . فليعتبر الإنسان بحالتهم ، لئلا يجرى عليه ما جرى عليهم ، وليبادر بالتوبة إلى ربه ، وليشديده على أوقات عمره ، قبل أن تنقضى في البطالة والتقصير ، فيمضى عمره سبهللا . وللّه در القائل :
--> ( 1 ) من الآية 14 من سورة الشمس . ( 2 ) من الآية 25 من سورة نوح .