ابن عجيبة
212
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : الرزق ثلاثة : رزق الأشباح ، ورزق القلوب ، ورزق الأرواح ، فرزق الأشباح معلوم ، ورزق القلوب : اليقين والطمأنينة ، ورزق الأرواح : المشاهدة والمكالمة . قل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة ؟ فلا رازق سواه ، ولا برهان على وجود ما سواه ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه . أو : من كان وجوده باللّه قد غاب في نور اللّه ، فشهد الغيب باللّه . واللّه تعالى أعلم . ولمّا نفى عنهم علم الغيب ، والشعور بمآلهم ، أضرب عنه ، وبيّن أن ما تناهى فيه أسباب العلم به ، وهو مجىء القيامة ، لم يحصل لهم به يقين ، فضلا عن غيره ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 66 إلى 68 ] بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) قلت : قرأ الجمهور : « ادّارك » بالمد ، وأصله : تدارك ، فأدغمت التاء في الدال ، ودخلت همزة وصل . وقرأ عاصم في رواية أبى بكر : « ادّرك » ، وأصله : افتعل ، بمعنى تفاعل . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : « أدرك » أفعل . يقول الحق جل جلاله : بَلِ ادَّارَكَ أي : تدارك وتناهى وتتابع أسباب عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي : بالآخرة ، أو : في شأنها ، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية ، والحجج العقلية ، على كمال قدرتنا . ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها ، والمعنى : أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ، ومكّنوا من معرفته ، بما تتابع لهم من الدلائل . ومع ذلك لم يحصل لهم شئ من علمها ، بل شكّوا . أو : أدرك علمهم ، بمعنى : يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عيانا ، ولا ينفعهم ذلك . قاله ابن عباس وغيره . بَلْ هُمْ اليوم فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ لا يبصرون دلائلها ، ولا يلتفتون إلى العمل لها . والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم ، وتأكيد لجهلهم . وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها ، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية ، ثم بما هو أسوأ حالا ، وهو العمى ، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه ، فلذا عداه ب « من » دون « عن » ؛ لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر . ووجه اتصال مضمون هذه الآية - وهو وصف المشركين - بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله ، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب ، وأن العباد لا علم لهم بشئ بذلك : هو أنه لما ذكر أن