ابن عجيبة
200
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من الكتاب ، وعرف مدلوله ومقصوده ، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا ، حتى يخرج عنها ، أو يغيب عن شغلها بالكلية ، وإن كانت بيده . فلما خرجوا عن عرش نفوسهم للّه ، وتوجهوا إليه ، ورأى ذلك منهم ، قال : هذا من فضل ربى ، حيث وقعت الهداية على يدي ، ليبلوني ، أشكر أم أكفر . . الآية . قال نكّروا لها عرشها ، أي : اعرضوا عليها الدنيا ، وأروها عرشها التي كانت عليه ، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها ، والآن صار ممقوتا ؛ لغناها باللّه - ننظر أتهتدي إليه ، وترجع إلى محبته ، فيكون علامة على عدم وصولها ، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا ، فتكون قد تمكنت من الأنس باللّه ، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا ، قيل : أهكذا عرشك ؟ قالت : كأنه هو ، وأوتينا العلم باللّه من قبل هذه الساعة ، وكنا منقادين لمراده ، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه للّه أبدا . وصدّها عن الحضرة ما كانت تعبد من الهوى ، من دون محبة اللّه ، إنها كانت من قوم كافرين ، منكرين للحضرة ، غير عارفين بها . قيل لها حين رحلت عن عرشها : ادخلي دار الحضرة ، فلما رأت بحر الوحدة ، يتموج بتيار الصفات ، دهشت ، وحسبته لجة ، يغرق صاحبه في بحر الزندقة ، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية : إنه بحر منزه متصل ، لا أول له ، ولا آخر له . ليس مثله شئ ، ولا معه شئ ، محيط بكل شئ ، وماح لكل شئ . ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها ، مشغولة بهواها ، قبل أن تعرف هواه ، فلما عرفته غابت عن غيره ، واستسلمت وانقادت له . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر قصة صالح عليه السّلام فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 ) قلت : ( ولقد أرسلنا ) : عطف على ( ولقد آتينا داود . . . ) إلخ . يقول الحق جل جلاله : وَ اللّه لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ نسبا صالِحاً ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي : بأن اعبدوه وحده ، فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ أي : ففاجئوا التفرق والاختصام ، ففريق مؤمن به ،