ابن عجيبة
196
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال للرسول : ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ؛ إلى بلقيس وقومها ، وقل لهم : فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ : لا طاقة لَهُمْ بِها . وحقيقة القبل : المقابلة والمقاومة ، أي : لا يقدرون أن يقابلوهم ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي : من سبأ أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ : أسارى مهانون . فالذل : أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك ، والصغار : أن يبقوا في أسر واستعباد . فلما رجع إليها رسولها بالهدايا ، وقصّ عليها القصة ، قالت : هو نبي ، ومالنا به طاقة . ثم تجهزت للقائه ، على ما يأتي إن شاء اللّه . الإشارة : إذا توجه المريد إلى مولاه ، توجهت إليه نفسه بأجنادها ، وهي الدنيا ، والجاه ، والرئاسة ، والحظوظ ، والشهوات ، فتمده أولا بمال وجاه ، تختبره ، فإن علت همته ، وقويت عزيمته ، أعرض عن ذلك وأنكره ، وقال : أتمدوننى بمال حقير ، وجاه صغير ، فما آتاني اللّه من معرفته والغنى به خير مما آتاكم . ثم يقول للوارد بذلك : ارجع إليهم - أي : للنفس وجنودها - فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قبل لهم بها ، ولنخرجنهم منها - أي : قرية القلب - أذلة وهم صاغرون . واللّه تعالى أعلم بأسرار كتابه . ثم ذكر إتيان عرشها قبل إتيانها ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 38 إلى 44 ] قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 ) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41 ) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 ) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ( 43 ) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 44 )