ابن عجيبة

193

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فنحن مطيعون إليك ، فمرينا بأمرك ، نمتثل أمرك ، ولا نخالفك . كأنهم أشاروا عليها بالقتال ، أو أرادوا : نحن من أبناء الحرب ، لا من أبناء الرأي والمشورة ، وأنت ذات الرأي والتدبير ، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك . فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ، فزيفت رأيهم ، حيث قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً على منهاج المقاتلة والحرب ، أو عنوة وقهرا أَفْسَدُوها بتخريب عمارتها ، وإتلاف ما فيها من الأموال ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً بالقتل والأسر والإجلاء ، وغير ذلك من فنون الإهانة ؛ ليستقيم لهم ملكهم وحدهم . ثم قالت : وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ أي : وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير ، لأنها كانت في بيت المملكة قديما ، أبا عن أب ، فجربت الأمور ، أو : يكون من قول اللّه تعالى ، تصديقا لقولها ، أي : قال اللّه تعالى : وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا . وأنشدوا في هذا المعنى : إنّ الملوك بلاء حيثما حلّوا * فلا يكن بك في أكنافهم ظلّ ماذا يؤمّل من قوم إذا غضبوا * جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم * واستثقلوك كما يستثقل الكلّ فاستغن باللّه عن أبوابهم أبدا * إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ ففي صحبة الملوك خطر كبير ، وتعب عظيم ، فمن قوى نوره ، حتى يغلب على ظلمتهم ، بحيث يتصرف فيهم ، ولا يتصرفون فيه ، فلا بأس بمعرفتهم ، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة ، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو الحسن الشاذلي ، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوى - رضى اللّه عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسى ، وشيخنا سيدي محمد البوزيدى الحسنى - رضى اللّه عنهما - يفران من صحبتهم ، أشد الفرار ، وهو أسلم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال صاحب الخصوصية لنفسه : سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين ، اذهب بما معك من العلم ، وذكّر به عباد اللّه ، وألقه إليهم ، ثم تولّ عنهم ، وانظر ماذا يرجعون ، فإن تأثروا بوعظك ، وانتقش فيهم قولك ، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك ؛ لأن أهل العلم باللّه إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد ، فحييت به قلوبهم وأرواحهم . ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان . قالت حين أراد التذكير : يا أيها الملأ إني ألقى إلىّ في قلبي كتاب كريم ، وعلم عظيم ، فلا تعلو علىّ وأتوني مسلمين ، منقادين لما آمركم به ، وقالت - لمّا تطهرت من الأكدار ، وتحررت من الأغيار ، وأحدقت بها جنود الأنوار : يا أيها الملأ - تعنى جنود الأنوار - أفتوني في