ابن عجيبة
190
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
باب مغلق . واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان ، فلذلك عظّم عرشها . وقد أخفى اللّه تعالى ذلك على سليمان ؛ لحكمة ، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب ، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية . وكانت بلقيس مجوسية ، فلذلك قال : وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : يعبدونها متجاوزين عبادة اللّه . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي هي عبادة الشمس ، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ؛ عن سبيل الرشد والصواب ، وهو التوحيد فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ إليه . ولا يبعد من الهدهد التهدّى إلى معرفة اللّه ، ووجوب السجود له ، وحرمة السجود للشمس ، إلهاما من اللّه له ، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات المعارف اللطيفة ، التي لا يكاد العقلاء ، الراجحة العقول ، يهتدون إليها . وهذا من أسرار الربوبية ، التي سرت في الأشياء ، فوحّدت اللّه تعالى ، ولهجت بحمده . أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد ، أي : فصدّهم عن السبيل لئلا ، فحذف الجار ، أي : لأجل ألا يسجدوا للّه . ويجوز أن تكون « لا » مزيدة ، أي : فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا . وقرئ : هلا يسجدون . ومن قرأ بالتخفيف « 1 » . فالتقدير عنده : ألا يا هؤلاء ؛ اسجدوا ، فألا للتنبيه ، والمنادى محذوف ، فمن شدّد لم يقف على يَهْتَدُونَ ، ومن خفف وقف ثم استأنف : ألا يا هؤلاء اسجدوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ؛ الشيء المخبوء المستور فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قال قتادة : خبء السماوات : المطر ، وخبء الأرض : النبات . واللفظ أعم من ذلك ، وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ « 2 » عطف على « يخرج » إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنسانى من الخفايا ، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو أول الأجرام وأعظمهما . ووصف الهدهد عرش اللّه بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض . وفي الخبر : « إن السماوات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة » ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك . هذا آخر كلام الهدهد . ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا ، وملأوا الركايا ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : هدهد كل إنسان نفسه ، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن اللّه ، في أودية الغفلة ، هدهد بالعذاب الشديد ، وبذبحها بأنواع المخالفة ، حتى تأتيه بحجة واضحة ، تعذر بها ، فإن لم تأت بحجة عذّبها وذبحها ، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها ، فتمكث غير بعيد ، فتأتيه بالعلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، التي لم يحط بها علما قبل ذلك ، وتجيئه بالخبر اليقين ، في العلم باللّه ، من عين اليقين ، أو حق اليقين ، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب ،
--> ( 1 ) قرأ أبو جعفر ، والكسائي : ( ألا يسجدوا ) بالتخفيف . وقرأ الباقون ( ألّا ) بالتشديد . ( 2 ) قرأ حفص ، والكسائي : ( ما تخفون وما تعلنون ) بالتاء على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء . انظر الإتحاف ( 2 / 326 ) .