ابن عجيبة

188

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لومة لائم ، دينه دين الحنيفية ، فطوبى لمن أدركه وآمن به ، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام . ثم قضى نسكه ، وخرج نحو اليمن صباحا ، يؤم سهيلا ، فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء ، تزهو خضرتها ، فأحب النزول بها ؛ ليصلى ، ويتغذى ، فطلبوا الماء فلم يجدوه ، وكان الهدهد دليله على الماء ، كان يرى الماء من تحت الأرض ، كما نرى الماء في الزجاجة ، فينقر الأرض فتجىء الشياطين يستخرجونه . وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره ، إذا فقدوا واحدا بقي آخر ، قال : اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك ، واللّه أعلم . ه . قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا الحديث : قال له نافع بن الأزرق : كيف ينظر الماء تحت الأرض ، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه ؟ قال ابن عباس : ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر . ه . قلت : ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة . فلما نزل سليمان ، قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول ، فارتفع نحو السماء ، ونظر طول الدنيا وعرضها ، ونظر يمينا وشمالا ، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد . وكان اسم هدهد سليمان « يعفور » واسم هدهد اليمن « عنفير » . فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان : من أين أقبلت وأين تريد ؟ قال : أقبلت من الشام ، مع صاحبي سليمان بن داود ، قال : ومن سليمان ؟ قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح ، فمن أين أنت ؟ قال من هذه البلد ، ملكها امرأة ، يقال لها « بلقيس » تحت يديها اثنا عشر ألف قائد ، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل . فانطلق معه ، ونظر إلى بلقيس وملكها ، ورجع إلى سليمان وقت العصر . وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة ، فلم يجده ، وكان على غير ماء . قال ابن عباس : فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله ؟ ، فقال : ما أدرى أين هو ، فغضب سليمان وقال : ( لأعذبنه . . . ) إلخ ، ثم دعا بالعقاب ، سيد الطير ، فقال : علىّ بالهدهد الساعة ، فرفع العقاب نفسه نحو السماء ، حتى التزق بالهواء ، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقضّ نحوه ، فقال له الهدهد : بحق الحق الذي قوّاك إلا ما رحمتنى ، فقال : ويلك ، إن نبي اللّه حلف أن يعذبك ويذبحك . ثم تلقته النسور والطير في العسكر ، وقالوا له : لقد توعدك نبىّ اللّه . قال : أو ما استثنى ؟ قالت : بلى ، قال : أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . ثم دخل على سليمان ، فرفع رأسه ، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ، تواضعا للّه ولسليمان ، فقال سليمان : أين كنت ؟ لأعذبنّك . . . فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه ، فمده إليه ، فقال له الهدهد : يا نبي اللّه ؛ اذكر وقوفك بين يدي اللّه تعالى ، بمنزلة وقوفى بين يديك ، فارتعد سليمان وعفا عنه « 1 » . وقال عكرمة : إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه ، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما .

--> ( 1 ) هذه الأخبار ذكرها البغوي في تفسيره ( 6 / 154 ) وغيره من المفسرين . وهي من الأخبار التي لا سند لها .