ابن عجيبة

187

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَتَفَقَّدَ سليمان الطَّيْرَ أي : تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته ، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته ، والاهتمام بكل جزء منها ، أو : تفقده لمعرفته بالماء ، أو : لغير ذلك على ما يأتي . فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها . والتفقد : طلب ما غاب عنك . فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أساتر ستره ؟ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ، و « أم » : بمعنى « بل » ، كأنه قال : مالي لا أراه ؟ ثم بدا له أنه غائب ، فأضرب عنه ، وقال : بل هو من الغائبين . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً ، قيل : كان عذابه للطير : نتفه ريشه وتشميسه ، أو : يجعله مع أضداده في قفص ، أو : بالتفريق بينه وبين إلفه . وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، ومفارقة الأحباب . أو : نتفه ، وطرحه بين يدي النحل تلدغه ، أو : النمل تأكله . وحلّ له تعذيب الهدهد لينزجر غيره ، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حلّ له التأديب . أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ؛ ليعتبر به أبناء جنسه ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ؛ بحجة تبين عذره ، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين ، على تقدير عدم الثالث . قال بعضهم : وسبب طلبته للهدهد ، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها . وقيل : كانت الطير تظله ، فأصابته لمعة من الشمس ، فنظر ، فرأى موضع الهدهد خاليا ، فتفقده ، وقيل : احتاج إلى الماء ، وكان علم ذلك إلى الهدهد ، فتفقده ، فلم يجده ، فتوعده . والسبب فيه : أن سليمان عليه السّلام لمّا فرغ من بناء بيت المقدس ، عزم على الخروج إلى أرض الحرم ، للحج ، فتجهز للمسير ، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم ، وأقام به ، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة ، ويذبح خمسة آلاف ثور ، وعشرين ألف شاة ، قربانا . وقال : إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز ، صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناوأه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب والبعيد في الحق عنده سواء ، لا تأخذه في اللّه