ابن عجيبة
182
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
في البعد من الناس أنس . والضفدع تقول : سبحان ربى القدوس . والبازي « 1 » يقول : سبحان ربى وبحمده ، المذكور في كل مكان . والدراج « 2 » يقول : الرحمن على العرش استوى . والقنب « 3 » يقول : إلهي ؛ العن مبغض آل محمد ، عليه الصلاة والسلام « 4 » . وقيل : إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها ، وإنما خصّ الطير ؛ لأنه معظم جنده . ثم قال : وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي : ما نحتاج إليه . والمراد به كثرة ما أوتى ، كما تقول : فلان يقصده كل أحد ، ويعلم كل شئ ، كناية عن كثرة علمه . إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ والإحسان من اللّه تعالى الْمُبِينُ أي : الواضح ، الذي لا يخفى على أحد ، أو : إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين . على أنه عليه السّلام قاله على سبيل الشكر والمحمدة . كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » أي : أقول هذا القول شكرا ، لا فخرا ، والنون في ( علمنا ) و ( أوتينا ) نون الواحد المطاع ، وكان حينئذ ملكا ، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها ، وليس فيه تكبر ولا فخر ؛ لعصمة الأنبياء من ذلك . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم باللّه ، على سبيل الذوق والكشف والوجدان ، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل ؛ لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها ، وصغرت في جانبه ، حتى إن صاحب العلم باللّه يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطا ، ومثله كمن عنده قناطير من الفضة ، ثم وجد جبلا من الإكسير ، فهل يلتفت صاحب الإكسير إلى الفضة أو الفلوس ؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظرا لوجه الملك ، كيف يلتفت إلى شئ سواه . ولذلك قال الجنيد رضي اللّه عنه : لو نعلم تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم ، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا ، لسعيت إليه . ه . وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف : كنت أعرف أربعة عشر علما ، فلما أدركت علم الحقيقة ، سرطت ذلك كله ، ولم يبق إلا التفسير والحديث ، نتكلم فيه مع أصحابنا . أو قريبا من هذا الكلام . وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي اللّه عنه : أقارئين علم التوحيد * هنا البحور إلىّ تنبى هذا مقام أهل التجريد * الواقفين مع ربى وهذا أمر بيّن عند أهل هذا الفن ، وقال الورتجبي : العلم علمان : علم البيان وعلم العيان . علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية ، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية . ثم قال : فالعلم البياني معروف بين العموم ، والعلم
--> ( 1 ) البازي : ضرب من الصقور ، وهو أشد الجوارح تكبرا ، وأضيقها خلقا ، ويؤخذ للصيد . ( 2 ) الدرّاج : طائر جميل المنظر ملون الريش . ( 3 ) القنبر : صرب من الطبر . انظر اللسان ( 5 / 3510 ، مادة : قبر ) . ( 4 ) ذكر نحوه البغوي في تفسيره ( 6 / 148 ) عن كعب . وقال محققه ، في الحاشية : وهذه التفصيلات في كلام الطير متلقاة من أهل الكتاب ، كرواية كعب هذه ، ولا يتوقف فهم الآية عليها ، وليس فيها نص صحيح ، مرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم .