ابن عجيبة

166

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ظلمانية شريرة ، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه ، من فنون الشرور ، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم ، المنطوى على الحقائق الرائقة الغيبية ، التي لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام ؟ . فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ؛ كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ، تهديد لغيره على سبيل التعريض ، وتحريك له على زيادة الإخلاص ، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء ، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه ، فكيف بمن عداه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار ، كوحى الأحكام ، ما تتنزل به الشياطين ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون ؛ لأنه ممنوعون من قلوب العارفين ؛ لما احتفت به من الأنوار ، وما صانها من الأسرار ، أعنى أنوار التوحيد وأسرار التفريد . وقال في لطائف المنن : إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب ، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار . ه . بالمعنى . فلا تدع مع اللّه إلها آخر ، وهو ما سوى اللّه ، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك ؛ لأن القلب إذا مال إلى غير اللّه سلط اللّه عليه الشيطان ، فيكون ذلك القلب جرابا للشيطان ، يحشو فيه ما يشاء . والعياذ بالله . ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 214 إلى 220 ] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) يقول الحق جل جلاله : وَأَنْذِرْ يا محمد عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ، إنما خصهم بالذكر ؛ لئلا يتكلوا على النسب ، فيدعوا ما يجب عليهم ، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها ، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به : « لا أملك لك من اللّه شيئا » ، وفي الغالّ كذلك . وقيل : إنما خصهم لنفى التهمة ؛ إذ الإنسان يساهل قرابته ، وليعلموا أنه لا يغنى عنهم من اللّه شيئا ؛ إذ النجاة في اتباعه ، لا في قربه منهم . ولما نزلت صعد النبي صلى اللّه عليه وسلم الصّفا ، ونادى الأقرب فالأقرب ، وقال : « يا بنى عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يا بنى عبد مناف ، يا عباس - عم النبي صلى اللّه عليه وسلم - يا صفيّة - عمّة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لا أملك لكم من اللّه شيئا » « 1 » . وقال ابن عباس

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري ( تفسير سورة الشعراء ، باب : وأنذر عشريتك الأقربين ح 4771 ) ، ومسلم في ( الإيمان ، باب قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ، 1 / 192 ، ح 348 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .