ابن عجيبة

164

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فإنك متحقق بما كافحناك به ، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق . ه . على تصحيف في النسخة . وبالله التوفيق . ثم هددهم بنزول العذاب ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 204 إلى 209 ] أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) يقول الحق جل جلاله ؛ توبيخا لمن اقترح نزول العذاب ، كقولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم ؟ وتقديم الجار ؛ للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه ، مع ما فيه من رعاية الفواصل . أَ فَرَأَيْتَ أي : أخبرني . ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال « أرأيت » في معنى أخبرني . والخطاب لكل من يسمع ، أي : أخبرني أيها السامع : إِنْ مَتَّعْناهُمْ ؛ إن متعنا هؤلاء الكفرة سِنِينَ متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ من العذاب ، ما أَغْنى عَنْهُمْ أي : أىّ شئ ، أو أىّ إغناء أغنى عنهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ أي : كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد ، أىّ شئ أغنى في دفع العذاب ، و ( ما ) : مصدرية ، أو : ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا ، على أنها موصولة ، حذف عائدها ، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي . وقيل : ( ما ) : نافية ، أي : لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب . والأول أرجح . وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى المهلكة ، إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ؛ قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم ، ذِكْرى أي : تذكرة ، وهو مصدر منذرون ؛ لأن أنذر وذكر متقاربان ، كأنه قيل : لها مذكرون تذكرة . أو مفعول له ، أي : ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة ، أو خبر ، أي : هذه ذكرى ، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا ؛ مفعولا له ، والمعنى : وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة ، بإرسال المنذرين إليهم ؛ ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم ، فلا يعصون مثل عصيانهم ، وَما كُنَّا ظالِمِينَ فنهلك قوما غير ظالمين ، أو قبل

--> ( 1 ) من الآية 32 من سورة الأنفال .