ابن عجيبة

162

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والصفات مسطورة فيها ، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص . قال النسفي : وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا ، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة . ه . وهو حنفي المذهب ، وأما مذهب مالك : فلا . أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أي : أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا ، أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ، كعبد اللّه بن سلام ، وغيره ، لوجود ذكره في التوراة . قال تعالى : وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ « 1 » . والمعنى : أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند اللّه علم أحبار بني إسرائيل به ، ومعرفتهم له ، كما يعرفون أبناءهم ؛ لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار ، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد ، وترتيب واحد ، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة : « وجاءوا على قميصه بدم كذب » عندهم في التوراة : وجاءوا على قميصه بدم جدى . وكذا سورة طه : جلّها في التوراة . وقد تقدم الحديث : « أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى » « 2 » . وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة ، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية . ثم قال تعالى : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ أي : ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية ، ولا يقدر على التكلم بها ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ قراءة صحيحة ، خارقد للعادة ، ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء ؛ لفرط عنادهم ، وشدة شكيمتهم ، قال النسفي : والمعنى : إنّا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربىّ مبين ، ففهموه ، وعرفوا فصاحته وأنّه معجز ، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله ، وصفته في كتبهم ، وقد تضمّنت معانيه وقصصه ، وصح بذلك أنها من عند اللّه ، وليست بأساطير كما زعموا ، فلم يؤمنوا به ، وسمّوه شعرا تارة ، وسحرا أخرى . ولو نزلناه على بعض الأعاجم ، الذي لا يحسن العربية ، فضلا أن يقدر على نظم مثله ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ هكذا معجزا ، لكفروا به ، ولتمحّلوا لجحودهم عذرا ، ولسموه : سحرا . ه . والأعجمين : جمع الأعجمى ، فإن أفعل ، إذا كان للتفضيل ، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر . وأصل الأعجمين : الأعجميين ، فحذفت ياؤه ، وقيل : جمع أعجم ، فلا حذف . كَذلِكَ سَلَكْناهُ أي : أدخلنا التكذيب والكفر ، وهو مدلول قوله : ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ : الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه . يعنى : مثل هذا السّلك الغريب سلكناه في

--> ( 1 ) من الآية 53 من سورة القصص . ( 2 ) راجع صدر تفسير هذه السورة .