ابن عجيبة
152
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ، وهي قبيلة ، ولذلك أنّث الفعل ، وفي الأصل : اسم رجل ، هو أبو القبيلة . إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ ؛ نسبا ، هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، وقد مر تفسيره ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في تكذيب الرسول الأمين ، وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة ؛ للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق ، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب ، ويبعده من العقاب ، وأنّ الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك ، وإن اختلفوا في فروع الشرائع ، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار ، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة ، والأغراض الدنيوية بالكلية . ثم وبّخهم بقوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ : مكان مرتفع ، ومنه : ريع الأرض ؛ لارتفاعها ، وفيه لغتان : كسر الراء وفتحها . آيَةً ؛ علما للمارة ، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم . وقيل : كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم ، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها ؛ عبثا ، وقيل : برج حمام ، دليله : تَعْبَثُونَ أي : تلعبون ببنائها ، أو : بمن يمر بهم على الأول ، وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ، مآخذ الماء ، أو قصورا مشيدة ، أو حصونا ، وهو جمع مصنع ، والمصنع : كل ما صنع وأتقن في بنيانه ، لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي : راجين الخلود في الدنيا ، عاملين عمل من يرجو ذلك ، أو كأنكم تخلدون . وَإِذا بَطَشْتُمْ بسوط أو سيف ، أو أخذتم أحدا لعقوبة بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ؛ مسلطين ، قاسية قلوبكم ، بلا رأفة ولا رقة ، ولا قصد تأديب ، ولا نظرا للعواقب . والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب . فَاتَّقُوا اللَّهَ في البطش ، وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه ؛ فإنه أنفع لكم ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ من ألوان النعماء وأصناف الآلاء . ثم فصّلها بقوله : أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ؛ فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب . وقرن البنين بالأنعام ؛ لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها . وَجَنَّاتٍ ؛ بساتين وَعُيُونٍ : أنهار خلال الجنات ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إن عصيتمونى ، أو : إن لم تقوموا بشكرها ؛ فإن كفران النعم مستتبع للعذاب ، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها ، قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ « 1 » .
--> ( 1 ) من الآية 7 من سورة إبراهيم .