ابن عجيبة
150
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ليس لهم رزانة عقل ، ولا إصابة رأى ، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي . وهذا من كمال سخافة عقولهم ، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها ، والأرذل من حرمها . وقد جهلوا بأنها لا تزن عند اللّه جناح بعوضة ، وأن النعيم هو نعيم الآخرة ، والأشرف من فاز به ، وسكن في جوار اللّه ، والأرذل من حرم ذلك . قال القشيري : ذكر ما لقى من قومه ، وقوله : وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ، وكذلك أتباع الرسل ، إنما هم الأضعفون ، لكنهم - في حكم اللّه - هم المقدّمون الأكرمون ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بضعفائكم » « 1 » ، إلخ كلامه . قالَ وَما عِلْمِي أي : وأىّ شئ علمي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصناعات ، إنما أطلب منهم الإيمان . وقيل : إنهم طعنوا في إيمانهم ، وقالوا : لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما اتبعوك ؛ طمعا في العدة والمال ، أي : وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر ، دون التنقير على بواطنهم ، والشق عن قلوبهم ، إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي أي : ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربى ؛ فإنه المطلع على السرائر ، لَوْ تَشْعُرُونَ بشئ من الأشياء ، أو : لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك ، ولكنكم كالبهائم أو أضل . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ أي : ليس من شأني أن أتبع شهواتكم ، فأطرد المؤمنين ؛ طمعا في إيمانكم ، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك ، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ وما على إلا أن أنذركم إنذارا بيّنا ؛ بالبرهان القاطع ، وأنتم أعلم بشأنكم ، أي : وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين ، سواء كانوا أعزاء أو أراذل ، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء ؟ . قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ؛ من المقتولين بالحجارة . قالوه في آخر أمره . قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ؛ تمادوا على تكذيبي ، وأصروا عليه ، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ، وليس هذا من قبيل الإخبار ؛ لأن اللّه لا يخفى عليه شئ ، وإنما هو تضرع وابتهال ، بدليل قوله : فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ؛ أي : احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا ، وهذه حكاية إجمالية ، قد فصلت في سورة نوح وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من شرهم ، أو من شؤم عملهم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الجهاد ، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب ح 2896 ) ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص ، بلفظ : « هل تنصرون إلا بضعفائكم » ، وأخرجه أحمد في المسند ( 5 / 198 ) ، والترمذي في ( الجهاد ، باب الاستفتاح بصعاليك المسلمين ، 4 / 179 ، ح 1702 ) ، وأبو داود في ( الجهاد ، باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة 3 / 73 ، ح 2594 ) ، من حديث أبي الدرداء ، بلفظ : « ابغوني في الضعفاء ، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم » . قال المنذري : ومعناه : أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصا ؛ لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا ، وجعلوا همهم واحدا ، فأجيب دعاؤهم ، وربحت أعمالهم .