ابن عجيبة

15

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عليكم ورحمته وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة ، حكيم في جميع أفعاله وأحكامه ، التي من جملتها : ما شرع لكم من حكم اللعان ، لكان ما كان ، مما لا يحيط به نطاق العبارة ، من حد الزوج مع الفضيحة ، أو قتل المرأة ، أو غير ذلك من العقوبة . قال القشيري : لبقيتم في هذه المعضلة ولم تهتدوا إلى الخروج من هذه الحالة المشكلة . ه . الإشارة : النفس إذا تحقق فناؤها ، وكمل تهذيبها ، رجعت سرا من أسرار اللّه ، فلا يحل رميها بنقص ؛ لأن سر اللّه تعالى منزه عن النقائص ، فإن رماها بشئ فليبادر بالرجوع عنه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر وبال من رمى أزواج النبي - عليه الصلاة والسلام - في قضية الإفك ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : آية 11 ] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) قلت : ( عصبة ) : خبر « إن » ، و ( لا تحسبوه ) : استئناف . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ؛ وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفاجئك . والمراد : ما أفك على الصديقة عائشة - رضي اللّه عنها - ، وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل . وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهنّ خرجت قرعتها استصحبها ، قالت عائشة - رضى اللّه عنها - : فأقرع بيننا في غزوة غزاها - قيل : هي غزوة بنى المصطلق ، وتسمى أيضا : غزوة المريسيع ، وفيها أيضا نزل التيم - فخرج سهمى ، فخرجت معه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب ، فحملت في هودج ، فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة ؛ نزلنا منزلا ، ثم نودي بالرحيل ، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار « 1 » قد انقطع ، فرجعت فالتمسته ، فحبسني التماسه . وأقبل الرّهط الذين كانوا يرحلوني ، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري ، وهم يحسبون أنّى فيه ؛ لخفتى ، فلم يستنكروا خفة الهودج ، وذهبوا بالبعير ، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس فيه داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي ، وظننت أن سيفقدوننى ويعودون في طلبي ، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني ، فنمت ، وكان صفوان بن المعطّل قد عرّس « 2 » من وراء الجيش ، فأدلج فأصبح عند منزلي ، فلما رآني

--> ( 1 ) الجزع - بالفتح - : الخرز اليماني . . انظر النهاية ( جزع 1 / 269 ) . ( 2 ) التعريس : نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة . . انظر النهاية ( عرس 3 / 206 ) .