ابن عجيبة

148

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

إبراهيم عليه السّلام ، أو : إن في ذكر نبأه ، وتلاوته عليهم ، على ما هو عليه ، من غير أن تسمعه من أحد ، لآية عظيمة دالة على أن مانتلوه عليهم وحي صادق ، نازل من جهته تعالى ، موجبة للإيمان به ، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي : وما أكثر هؤلاء ، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء ، مؤمنين ، بل هم مصرّون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال . ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم ، على أن كانَ أصلية ؛ لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي : هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ؛ ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم . وبالله التوفيق . الإشارة : وأزلفت جنة المعارف للمتقين السّوى ، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين ، المتبعين الهوى . وفي الحكم : « لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك » وقيل لأهل الهوى : أين ما كنتم تعبدون من دون اللّه ، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات ، هل ينصروكم أو ينتصرون ؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل ، هم والغاوون لهم ، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء ، وجنود إبليس أجمعون . قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيعة يختصمون - : تالله إن كنا لفى ضلال مبين ، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل ، وما أضلنا إلا المجرمون ، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام ، وسدوا الباب في وجوه الرجال ، فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم ، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين . هيهات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم ، في مقام المجاهدة في دار الدنيا ، ثم يتمنون الرجوع ؛ ليصدّقوا بهم ، وينخرطوا في سلكهم ، فلا يجدون له سبيلا . وباللّه التوفيق . ثم ذكر قصة نوح عليه السّلام ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 105 إلى 122 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 ) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ( 111 ) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 )