ابن عجيبة
137
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أي : فاعلون ما يغيظنا ، وتضيق به صدورنا ، وهو خروجهم من مصر ، وحملهم حلينا ، وقتلهم أبكارنا ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي : ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن ؛ لئلا يظن العجز . وقرئ : ( حذرون ) « 1 » ؛ بالمد والقصر ، فالأول دال على تجد الحذر ، والثاني على ثبوته . قال تعالى : فَأَخْرَجْناهُمْ أي : خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه ، مِنْ جَنَّاتٍ ؛ بساتين وَعُيُونٍ ؛ وأنهار جارية ، وَكُنُوزٍ ؛ أموال وافرة من ذهب وفضة ، وسماها كنوزا ؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة اللّه تعالى شيئا . وَمَقامٍ كَرِيمٍ أي : منزل رفيع بهيّ ، وعن ابن عباس : المنابر . كَذلِكَ أي : الأمر كذلك ، أو : أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب ، فهو خبر ، أو : مصدر تشبيهى لأخرجنا . وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ أي : ملكناها إياهم ، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث ؛ لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها . وعن الحسن : لما عبروا النهر رجعوا ، وأخذوا ديارهم وأموالهم . ه . قال ابن جزى : لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر ، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام ، فتأويله على هذا : أورثناهم مثل ذلك بالشام . ه . قلت : بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر ، ووصلت حكومتهم إليها ، ولم يرجعوا إليها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لا ينتصر نبىّ ولا ولىّ إلا بعد أن يهاجر من وطنه ؛ سنّة اللّه التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا ، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة ؛ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ . وبالله التوفيق . ثم ذكر معجزة فلق البحر وغرق فرعون ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 60 إلى 68 ] فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 )
--> ( 1 ) قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ( حاذرون ) بألف بعد الحاء . وقرأ الباقون بحذفها . انظر الإتحاف ( 2 / 316 ) .