ابن عجيبة
102
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
في مرورهم ورجوعهم ، فيتفكرون ويؤمنون ، بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً أي : بل كانوا قوما كفرة بالبعث ، لا يخافون ولا يأملون بعثا ، كما يأمله المؤمنون ؛ لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم . أو : بل كانوا قوما كفرة بالبعث ، منهمكين في الغفلة ، يرون ما نزل بالأمم أمرا اتفاقيا ، لا بقدرة الباقي ، فطابع الكفر منعهم من التفكر والاعتبار . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للمؤمن العاقل ، المشفق على نفسه ، أن ينظر فيمن هلك من الأمم السالفة ، ويتأمل في سبب هلاكهم ، فيشديده على الاحتراز مما استوجبوا به الهلاك ، وهو مخالفة الرسل وترك الإيمان ؛ فيشديده على متابعة ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الأوامر والنواهي ، ويرغب فيما رغّب فيه ، ويهتدى بهديه ، ويقتدى بسنته ، ويربى إيمانه ، ويجعل البعث والنشر والحشر بين عينيه ، فهذه طريق النجاة . وينبغي للمريد ، إذا رأى فقيرا سقط من درجة الإرادة ويبست أشجاره ، أن يحترز من تلك الزلاقة التي زلق فيها ، فيبحث عن سبب رجوعه ، ويجتنبه جهد استطاعته . ومرجعها إلى ثلاث : خروجه من يد شيخه إلى غيره ، وسقوط تعظيم شيخه من قلبه ؛ بسبب اعتراض أو غيره ، واستعمال كثرة الأحوال ، حتى يلحقه الملل . نسأل اللّه الحفظ من الجميع بمنّه وكرمه . ثم ذكر وبال من لم يعظم الواسطة ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِذا رَأَوْكَ أي : مشركو مكة إِنْ ؛ ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أي : مهزوءا بك ، أو محل هزؤ ، حال كونهم قائلين : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ، ورسولا : حال من العائد المحذوف ، أي : هذا الذي بعثه اللّه رسولا ، والإشارة ؛ للاستحقار في اعتقادهم وتسليمهم البعث والرسالة ، مع كونهم في غاية الإنكار لهما ؛ على طريق الاستهزاء ، وإلا لقالوا : أبعث اللّه هذا رسولا .