ابن عجيبة
100
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( وقوم ) : منصوب بمضمر يدل عليه ( دمرناهم ) ، أي : ودمرنا قوم نوح ، و ( عادا وثمودا ) : عطف على ( قوم نوح ) . يقول الحق جل جلاله : وَ دمرنا أيضا قَوْمَ نُوحٍ ، وذلك أنهم لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ؛ نوحا ، ومن قبله شيثا وإدريس ، أو : لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع ؛ لاتّفاقهم على التوحيد والإسلام ، أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان ، وَجَعَلْناهُمْ أي : وجعلنا إغراقهم أو قصتهم لِلنَّاسِ آيَةً : عبرة يعتبر بها كل من يشاهدها أو يسمعها . وَأَعْتَدْنا ؛ هيأنا لِلظَّالِمِينَ أي : لهم . وأظهر في موضع الإضمار ؛ للإيذان بتجاوزهم الحد في الظلم ، أو لكل ظالم ظلم شرك ، فيدخل كل من شاركهم ، كقريش وغيرهم ، أي : هيأنا عَذاباً أَلِيماً ، أي : النار المؤبدة عليهم . وَ دمرنا أيضا عاداً وَثَمُودَ ، وقد تقدم في الأعراف « 1 » ، وهو كيفية تدميرهم . وَأَصْحابَ الرَّسِّ ، هم قوم شعيب ؛ قال ابن عباس : أصحاب الرسّ : أصحاب البئر . قال وهب : كانوا أهل بئر ، قعودا عليها ، وأصحاب مواشي ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل اللّه إليهم شعيبا ، فآذوه ، وتمادوا في طغيانهم ، فبينما هم حول البئر - والبئر في وسط منازلهم - انهارت بهم وبديارهم ، فهلكوا جميعا . وقال قتادة : الرسّ : قرية بفلح اليمامة ، قتلوا نبيّهم فأهلكهم اللّه . وقيل : هم بقية قوم هود وقوم صالح ، وهم أصحاب البئر ، التي قال : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ « 2 » . وقال سعيد بن جبير وغيره : قوم كان لهم نبي ، يقال له : حنظلة بن صفوان ، وكان بأرضهم جبل ، يقال له : فتخ ، مصعده في السماء ميل ، وكانت العنقاء تنتابه ، وهي كأعظم ما يكون من الطير ، وفيها من كل لون - وسموها العنقاء ؛ لطول عنقها - وكانت تنقض على الطير فتأكلها ، فجاعت ذات يوم ، فانقضت على صبي فذهبت به ، - وسميت عنقاء مغرب ؛ لأنها تغرّب ما تأكله عن أهله ، فتأكله - ثم انقضت على جارية قد ترعرعت ، فأخذتها فطارت بها ، فشكوا إلى نبيهم ، فقال : اللهم خذها واقطع نسلها ، فأصابتها صاعقة ، فاحترقت ، فلم ير لها أثر ، فصارت مثلا عند العرب . ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم اللّه . وقال مقاتل والسدى : هم أصحاب بئر أنطاكية ، وتسمى الرس ، قتلوا فيها حبيبا النجار ، فنسبوا إليها ، وهم الذين ذكروا في ( يس ) . وقيل : هم أصحاب الأخدود الذين حفروه ، والرسّ في كلام العرب : كل محفور ؛ مثل البئر ، والقبر ، والمعدن ، وغير ذلك ، وجمعها : رساس . وقال عكرمة : هم قوم رسّوا نبيهم في بئر .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآيات : 65 - 78 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 45 من سورة الحج .