ابن عجيبة

17

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي : الكافر الجاهل ، الذي عميت بصيرته بالجهل والشرك ، والمؤمن الموحد الذي انفتحت بصيرته بالإيمان والعلم . أو المعبود الغافل عن عبادة من عبده ، والعالم بأسرار عباده . أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ؛ الكفر والإيمان ، أو الجهل والعلم . أَمْ : بل جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ من صفتهم ، خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ، فَتَشابَهَ ؛ التبس الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ فلم يدروا ما خلق اللّه مما خلق أصنامهم ، وهذا كله داخل في الإنكار . والمعنى : هل خلق شركاؤهم خلقا كخلق اللّه ، فالتبس الخلق عليهم ، فلم يميزوا خلق اللّه من خلق أصنامهم ، حتى ظنوا أنها تستحق أن تعبد مع اللّه ، أو يطلب منها حوائج دون اللّه ؟ ! . ثم أبطل ذلك بقوله : قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، قال البيضاوي : والمعنى أنهم ما اتخذوا له شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم ، فيقولوا : هؤلاء خلقوا كما خلق اللّه ، واستحقوا العبادة كما استحقها ، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق ، فضلا عما يقدر عليه الخالق . ه . قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ لا خالق غيره فيشاركه في العبادة . جعل الخلق موجب العبادة ، ولازم استحقاقها ، ثم نفاه عما سواه ؛ ليتحقق انفراده بالربوبية والقهرية كما أفاده قوله : وَهُوَ الْواحِدُ في الألوهية ، الْقَهَّارُ بتصريف أحكام الربوبية . ه . الإشارة : إذا علم العبد أن ربه قائم بأمر خلقه ، مدبر لشأن ملكه ، من عرشه إلى فرشه ، جعل حوائجه كلها وقفا عليه ، وانحاش بكليته إليه ، ورفع همته عن خلقه ، إذ ليس بيدهم ضر ولا نفع ، ولا جلب ولا دفع ، بل هم عاجزون عن إصلاح أنفسهم ، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم ؟ ! وفي الحكم العطائية : « لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك ، فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا ، من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه : فكيف يستطيع أن يكون لها من غيره رافعا » . وقال بعض العارفين من المكاشفين - رضى اللّه عنهم - : قيل لي في نوم كاليقظة ، أو يقظة كالنوم : لا تبدينّ فاقة فأضاعفها عليك ؛ مكافأة لسوء أدبك ، وخروجك عن حد عبوديتك . إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع بها إلىّ ، وتتضرع بها لدىّ ، وتتوكل فيها علىّ . سبكتك بالفاقة لتصير ذهبا خالصا ، فلا تزيفن بعد السبك ، وسمتك بالفاقة وحكمت لنفسي بالغنى ، فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى ، وإن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتى ، وحسمت أسبابك من أسبابى ، طردا لك عن بابى . فمن وكلته إلىّ ملك ، ومن وكلته إليه هلك . ه . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : آيست من نفع نفسي لنفسي ، فكيف لا آيس من نفع غيرى لها ، ورجوت اللّه لغيرى فكيف لا أرجوه لنفسي ؟ . ه . فالبصير من اعتمد في أموره على مولاه ، والأعمى من ركن في حوائجه إلى سواه . فأنوار التفويض والتسليم لا تستوى مع ظلمات الشرك والتدبير ؛ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ . وباللّه التوفيق .