ابن عجيبة
11
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة : لَوْ لا : هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ أي : معجزة واضحة مِنْ رَبِّهِ كما أوتى موسى وعيسى . ولم يعتدوا بالآيات المنزلة عليه ؛ كانشقاق القمر وانقياد الشجر ، وتسليم الحجر ، وأعظمها : القرآن العظيم . وذلك عناد منهم . قال تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ؛ مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل ، وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات ، لا مما يقترح عليك . وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ؛ رسول يهديهم إلى الحق والصواب ، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم ؛ ففي زمن موسى عليه السّلام كان الغالب عليهم السحر ، فأوتى بالعصا تنقلب حية ؛ ليبطل سحرهم ، وفي زمن عيسى عليه السّلام كان الغالب عليهم الطب ، فأوتى إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى الذي يعجزون عن مثله ، وفي زمن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم كان الغالب عليهم البلاغة والفصاحة ، بها كانوا يتباهون ويتناضلون ، فأوتى القرآن العظيم ، أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء . أو : ولكل قوم هاد ، يقدر على هدايتهم ، وهو اللّه تعالى ، أي : إنما عليك الإنذار ، واللّه هو الهادي لمن يشاء ، أو : ولكل قوم واعظ ومذكر من نبىّ أو ولىّ . روى أنها لما نزلت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنا المنذر ، وأنت يا علىّ الهادي » « 1 » . ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وشمول قضائه وقدره ؛ تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه ، وإنما لم ينزله ؛ لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا استرشادا . أو أن وقت الإنزال لم يحضر ، فقال : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى هل هو ذكر أو أنثى ، أو تام أو ناقص ، أو حسن أو قبيح « 2 » . وهو من الخمس التي اختص بها . وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ أي : ما تنقص في الجثة بمرض الجنين أو إسقاطه ، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر . قال البيضاوي : مدة الحمل عندنا أربع سنين ، وخمس عند مالك ، وسنتان عند أبي حنيفة . روى أن الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان لأربع سنين . وأعلى عدده لا حد له . « 3 » - قلت : يعنى مع تحققه - وقيل : المراد نقصان دم الحيض وزيادته . ه . وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ : بقدر محدود ، ووقت مخصوص ، لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، فالحق - تعالى - قد خص كل حادث بوقت مخصوص معين ، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 13 / 108 ) عن ابن عباس . وانظر تفسير ابن كثير ( 2 / 502 ) والآلوسي ( 13 / 8 ) . ( 2 ) هذا النوع الذي ذكره الشيخ المفسر ، من المعرفة ، ليس هو النوع الذي اختص الله نفسه بعلمه - وهو يعلمه أيضا - فإن هذا العلم ممكن للإنسان ، بل قد علمه فعلا عن طريق الأشعة وغيرها . والأساس في فهم الآية قوله تعالى في الآية « ما » وهي التي تدل على الماهية . فقوله تعالى : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى أي : يعلم ماهيته وحقيقته ، هل يكون شخصا مؤمنا أو كافرا ، سعيدا أو شقيا في الدنيا والآخرة ، يعلم كنهه وهويته ومعتقده ، واتجاهاته وميوله ، وفكره وعمله ، ونيته ومصيره ، علما كليا وتفصيليا ، وهو ما يستحيل على العقل البشرى أن يعلمه ، فالله هو المختص وحده بعلم ذلك كله ، فضلا على علمه : هل هو ذكر أو أنثى . . إلخ ما يعلمه الإنسان بأدوات العلم التجريبى . ( 3 ) ما قاله الإمام البيضاوي عن مدة الحمل يرجع فيه إلى أهل الطب المختصين ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ * ، وقد قال أهل الاختصاص : إن الجنين إذا ظل في الرحم أكثر من مدته ، فإن الرحم قد ينفجر . إلخ ما قالوا .