ابن عجيبة
72
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
المشرفة ، وفي غيرها وسط من الشبع ، وقال الشافعي وابن القاسم : يجزئ المد في كل مكان ، وقال أبو حنيفة : إن غذاهم وعشاهم أجزأه . قلت : وهو قول في المدونة لمالك أيضا . وأما الصنف ، فاختلف : هل يطعم من عيش نفسه ، أو من عيش بلده وهو المشهور ؟ فمعنى الآية على هذا : مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أيها الناس أَهْلِيكُمْ على الجملة أَوْ كِسْوَتُهُمْ ؛ فيكسو كل مسكين ما تصح به الصلاة ، فالرجل ثوب ، والمرأة قميص وخمار ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة على مذهب مالك ؛ لتقييدها بذلك في كفارة القتل . وأجاز أبو حنيفة عتق الكافر ، لإطلاق اللفظ هنا ، واشترط مالك أيضا أن تكون مسلّمة من العيوب ، وليس في الآية ما يدل عليه ، فهذه الثلاثة بالتخيير . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واحدا من هذه الثلاثة ، ولم يقدر على شئ منها ، بحيث لم يفضل له عن قوته وقوت عياله في يومه ما يطعم به ، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يستحب تتابعها ، واشترطه أبو حنيفة ؛ لأنه قرىء : ( أيام متتابعات ) ، والشاذ ليس بحجة ، ذلِكَ المذكور هو كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم ، وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي : صونوا ألسنتكم عن كثرة الحلف ، فيكون اللّه عرضة لأيمانكم ، أو احفظوها بأن تبروا فيها ولا تحنثوا ، إلا إن كان في الامتناع من الخير ، فالحنث فيها أحسن ، كما في الحديث . أو احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم ، ولا تتهاونوا بها ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي : مثل ذلك البيان يبين لكم أعلام شرائعه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة التعليم ، أو نعمه الواجب شكرها ، فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج من ضيق اليمين ، فهو نعمة يجب شكرها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ليس التشديد والتعقيد من شأن أهل التوحيد ، إنما شأنهم الاسترسال مع ما يبرز من عنصر القدرة ، ليس لهم وقت دون الوقت الذي هم فيه ، قد حلّ التوحيد عقدهم ودكّ عزائمهم ، فهم في عموم أوقاتهم لا يدبرون ولا يختارون ، وإن وقع منهم تدبير أو اختيار رجعوا إلى ما يفعل الواحد القهار ، لا يبشطون إلى شئ ولا يهربون من شئ ، إلا إن كان فيه مخالفة للشرع . ولا يعقدون على ترك شئ من المباحات ولا على فعله ، لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا ولا تركا ، إن صدرت منهم طاعة شهدوا المنة للّه ، وإن وقعت منهم زلة أو غفلة تأدبوا مع اللّه ، وبادروا بالتوبة إلى اللّه ، وما صدر من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - فلعل ذلك كان حالا غالبة عليهم ، قد أزعجهم وعظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنهضهم حاله ، فلما رءاهم غلب عليهم الحال ردهم إلى حال الاعتدال ، ولعل الحق - جل جلاله - ، إنما جعل كفارة اليمين جبرا لخلل ذلك التعقيد ، الذي صدر من الحالف مع تفريطه بالحنث ، فكأنه حلف على فعل غيره ، ففيه نوع من التألى على اللّه . واللّه تعالى أعلم .