ابن عجيبة
70
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما دخل الإيمان في قلوبهم حين سمعوا القرآن ، عاتبوا أنفسهم على التأخر عن الإيمان فقالوا : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نحن نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ، وهي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم التي هي أفضل الأمم ، وهذا منهم استفهام إنكار واستبعاد ؛ لانتفاء الإيمان مع قيام الداعي ، وهو الطمع في الانخراط مع الصالحين ، والدخول في مداخلهم ، فَأَثابَهُمُ اللَّهُ أي : جازاهم بِما قالُوا واعتقدوا ، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الذي اعتادوا الإحسان في جميع الأمور ، أو الذين أحسنوا النظر وأتقنوا العمل . ثم ذكر ضدهم فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، شفع بهم حال المؤمنين المصدقين ، جمعا بين الترغيب والترهيب ، ليكون العبد بين خوف ورجاء . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أشد الناس إنكارا على الفقراء ، وأشدهم عداوة لهم ، من تقدم في أسلافه رئاسة علم أو جاه أو صلاح أو نسبة شرف ، وأقرب الناس مودة لهم من لم يتقدم له شئ من ذلك ، فالعوام أقرب وأسهل للدخول في طريق الخصوص من غيرهم . واللّه تعالى أعلم . ولمّا تضمن الكلام مدح النصارى على ترهبهم ، والحث على حبس النفس ، ورفض الشهوات ، أعقبه بالنهى عن الإفراط في ذلك والاعتداء عما حدّه اللّه بجعل الحلال حراما ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 87 إلى 88 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ أي : لا تحرموا ما طاب ولذ مما أحله اللّه لكم ، وَلا تَعْتَدُوا فتحرموا ما أحللت لكم ، ويجوز أن يراد : ولا تعتدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم ، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم ، داعية إلى القصد بينهما ، والوقوف على ما حد دون التجاوز إلى غيره . روى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصف القيامة يوما ، وبالغ في إنذارهم ، فرقوا ، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين ، وألا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم والودك « 1 » ، ولا يقربوا النساء والطّيب ، ويرفضوا الدّنيا ، ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض ، ويجبّوا مذاكرهم ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لهم : « إني لم أومر بذلك ، إنّ لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإنّى أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدّسم ، وآتى النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى » « 2 » . ونزلت الآية .
--> ( 1 ) الودك : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه . ( 2 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول عن المفسرين ، بغير إسناد ، وبنحوه أورده الطبري في التفسير عن السدى . وهو منتزع من أحاديث ، وأصله في الصحيحين . راجع الفتح السماوي : ( 579 - 581 ) .