ابن عجيبة

636

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم ، وآذوهم ، وتأخر نصرهم ؛ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من النصر ، أو من إيمان قومهم ؛ لانهماكهم في الكفر ، وتماديهم من غير وازع ، وَظَنُّوا أي : تيقنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا « 1 » أي : أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم . أو : وظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم ؛ لطول البلاء وتأخر النصر . وأما قراءة ( كذبوا ) ؛ بالتخفيف ؛ فمعناه : وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر . . وأنكرت عائشة - رضى اللّه عنها - هذه الرواية ، وقالت : معاذ اللّه ؛ لم تكن الرسل تظن بربها ذلك . كما في البخاري « 2 » . وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس ، يمر ولا يثبت ، وهو من طبع البشر ، لا يدخل تحت التكليف . وسماه ظنا ؛ مبالغة في طلب المراقبة ، كما تقدم في قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها . وقال ابن جزى ، على هذه القراءة : الضميران يعودان على المرسل إليهم ، أي : ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة ، أو في مجىء النصر لما اشتد عليهم البلاء ، وتأخر عنهم النصر . فلما يئسوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ نجاته ، وهو : النبي والمؤمنون . وإنما لم يعينهم ؛ للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة ، لا يشاركهم فيها غيرهم ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ إذا نزل بهم . وفيه بيان المستثنين بالمشيئة ، كأنه قال : ولا نشاء نجاة المجرمين . الإشارة : قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر ، وكثير منهم في القرى والمداشر . وفضل اللّه يؤتيه من يشاء ، لا يختص بمكان ولا زمان ، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي ، يعنى : جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي ؛ لأن أهل المدن شريعتهم قوية ، وحقيقتهم ضعيفة . والبوادي بالعكس ؛ لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي ، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كثير ، واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بالتخفيف ، معناه : أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد ؛ لسعة علمهم ؛ لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفا على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي ، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي ، والقهرية الغالبة . فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير اللّه قرارهم . وقال الورتجبي : إنهم استغرقوا في قلزوم « 3 » الأزلية ، وغابوا تحت بحار الديمومية ، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق . فلما لم يروه ناداهم لسان غيرة قهر القدم : أين أنتم ؟ غبتم عنه وعن الحقيقة ، فتطلع أنوار الحقيقة عليهم ، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر . وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه ، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم . ه .

--> ( 1 ) قرأ « كذبوا » بالتخفيف ، عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ، وقرأ الباقون « كذّبوا » بالتشديد . انظر القراءة وتوجيهها في الإتحاف ( 2 / 15 ) والبحر المحيط ( 5 / 347 ) . ( 2 ) ( كتاب التفسير ، باب سورة يوسف ) . ( 3 ) أي : بحر .