ابن عجيبة

635

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : والفتنة تتنوع بتنوع المقامات ؛ ففتنة أهل الظاهر : تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن ، وفتنة أهل الباطن : تعذر جمع القلب باللّه ؛ لكثرة الحس ، وتعرض الشواغل والعلائق . فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي ، إن وجد من يعينه على الدين . والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات ، وتعترى فيها الشواغل والشواغب ، بخلاف البادية . فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسلمة : خوف فتنة الظاهر ، فأولى خوف فتنة الباطن ؛ لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله . ثم قال ابن عطية : وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تعرب في الإسلام « 1 » » . وقال : « من بدا جفا » « 2 » . وعن معاذ بن جبل أنه قال : ( الشّيطان ذئب الإنسان ، كذئب الغنم ؛ يأخذ الشّاة القاصية ؛ فإيّاكم والشّعاب ، وعليكم بالمساجد ، والجماعات ، والعامة ) « 3 » . ثم قال : ويعترض هذا ببدو يعقوب ، وينفصل عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود ، بل بتقرّ في منازل وربوع ، والثاني : إنما جعله بدوا بالإضافة إلى مصر ، كما هي بنات الحواضر الصغار بدو بالإضافة إلى الحواضر الكبار . ه . قلت : فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شعب ، وأما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين ، ويجتمعون عليه ، فليس بتعرب ولا بدو . ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السّلام . والحاصل : أن أهل القلوب يفتشون على مصالح قلوبهم ، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم . وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء ، ربما لم يظهروا في الحواضر . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا أي : كفار مكة ، فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من المكذبين لرسلهم : كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خرابا دارسة ، فيحذروا تكذيبك ؛ ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة ؛ وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي : ولدار الحياة الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ ، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير . أو : أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية ، والدار الآخرة خير ؛ لأنها باقية .

--> ( 1 ) ورد : « لا تعرب بعد الهجرة » ، أخرجه ، مطولا ، عبد الرزاق في المصنف ، ( باب : لا رضاع بعد الفطام ، 7 / 464 ح 13899 ) ، من حديث جابر بن عبد الله رضى اللّه عنه . . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 371 ) ، وأبو داود في ( الصيد ، باب اتباع الصيد ) والترمذي في ( الفتن ، باب سكنى البادية ) والنسائي في ( الصيد ، باب اتباع الصيد ) من حديث أبي هريرة ، وصححه الترمذي . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 233 ) من حديث معاذ بن جبل .