ابن عجيبة

633

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقوله تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ : لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص ، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون ، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار ، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار ، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار ، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب ، برؤية مسبب الأسباب ، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب ، فإن التفتوا إلى غيره ؛ غفلة ، أدبهم ، وردهم إلى حضرته . هذا شأنهم معه أبدا . جعلنا اللّه منهم ، وخرطنا في سلكهم . آمين . ثم أوضح طريقهم ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 108 ] قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) قلت : ( أدعو ) : حال من الياء ، و ( على بصيرة ) : حال ثان ، و ( أنا ومن اتبعني ) : الضمير - تأكيد للمستكن في ( أدعو ) ، أو في ( على بصيرة ) ، أو مبتدأ خبره : ( على بصيرة ) ، مقدم . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : هذِهِ سَبِيلِي : طريقي الذي جئت به من عند ربى ؛ وهي الدعوة إلى التوحيد ، والتأهب ليوم المعاد . ثم فسرها بقوله : أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ، أو حال كونى داعيا إلى اللّه ؛ أي : إلى توحيده ومعرفته والأدب معه ، عَلى بَصِيرَةٍ : حجة واضحة ، وبينة من ربى ، لا عن تقليد أو عمى . أدعو إلى اللّه أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ؛ فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضا إلى اللّه على بصيرة وبينة من ربه ، وَسُبْحانَ اللَّهِ : وأنزهه عن الشركاء والأنداد ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ به شركا جليا ولا خفيا ، بل مخلصا موحدا . الإشارة : لا يصلح العبد أن يكون داعيا إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه ، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت ، ولا يختلجه شك ولا وهم . والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب : فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام ؛ وهم الدعاة إلى معرفة أحكام اللّه وشرائعه ، ومنهم من يدعو علي بصيرة الإيمان ، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته ، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح . ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان ، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان ، من طريق الذوق والوجدان ؛ وهم العارفون بالله ، أهل النور المخرق ، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى باطنه . وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة ، وأهل هذا المقام هم أهل التربية النبوية ، فدعوة هؤلاء أكثر نفعا ، وأنجح تأثيرا ؛ في زمن يسير ؛ يهدى الله على أيديهم الجم الغفير .