ابن عجيبة

632

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فتعلمت ذلك منه ، فتحققوا أنه وحي من عند اللّه ، ولكن جحدوا ؛ وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ على إيمانهم ، وبالغت في إظهار الآيات لهم ، بِمُؤْمِنِينَ ؛ لعنادهم وتصميمهم على الكفر ، وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ على تبليغ هذا النبأ ، أو القرآن ، مِنْ أَجْرٍ ؛ كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ : عظة من اللّه ، لِلْعالَمِينَ من الجن والإنس . وَكَأَيِّنْ : كثيرا مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الدالة على وجود صانعها وتوحيده ، وكمال قدرته وتمام حكمته ، يَمُرُّونَ عَلَيْها ويشاهدونها ، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ : لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون . وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ أي : وما يصدق أكثرهم بوجود اللّه في إقرارهم بوجوده ، وخالقيته للأشياء ، وأنه الرزاق المميت ، إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بعبادة الأصنام ، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ، أو بنسبة التبني إليه ، أو بالوقوف مع الأسباب ، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلى والخفي . قيل : نزلت في مشركي مكة ، وكانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك . وقيل : في أهل الكتاب . أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ : عقوبة تغشاهم وتشملهم ، مِنْ عَذابِ اللَّهِ المرسل على الأمم المتقدمة ، أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً : فجأة ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانها ، غير مستعدين لها . الإشارة : قوله تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ : مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير الداعين إلى مقام الخصوصية ، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم ، بمهتدين إلى مقام الخصوصية ؛ لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان ؛ قال تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 1 » . وتقدم في سورة هود « 2 » ما يتعلق بقوله : وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ . وقوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ . . . إلخ ، فيه ذم الغفلة ، والإعراض عن التفكر والاعتبار ؛ فإن الحق - جل جلاله - ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها ، وتظهر فيها أسرار ذاته ، وأنوار صفاته . قال في لطائف المدن : فما نصبت الكائنات لتراها ، ولكن لترى فيها مولاها ؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها ؛ تراها من حيث ظهوره فيها ، ولا تراها من حيث كونيتها . قال « 3 » : ولنا في هذا المعنى : ما أثبت لك المعلم إلا * لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقى من ليس يرضى * حالة دون أن يرى مولاها . ه .

--> ( 1 ) من الآية 13 من سورة سبأ . ( 2 ) عند إشارة الآية 29 . ( 3 ) أي : الشيخ السكندريى صاحب لطائف المدن