ابن عجيبة

626

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أي : المبشر ، وهو : يهوذا . روى أنه قال : كنت أحزنته بحمل قميصه الملطّخ بالدم إليه ، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه . وفي رواية عنه قال : إني ذهبت إليه بقميص التّرحة ، فدعونى أذهب إليه بقميص الفرحة . فلما وصل إليه أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ ؛ طرح البشير القميص على وجه يعقوب ، أو : ألقاه يعقوب بنفسه على وجهه ، فَارْتَدَّ بَصِيراً بقدرة اللّه وبركة القميص . قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من حياة يوسف ، وإنزال الفرج . قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ، وقد اعترفنا بذنوبنا ، وسألنا المغفرة . قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، أخره إلى السّحر ، أو إلى صلاة الليل ، أو إلى ليلة الجمعة ، تحريا لوقت الإجابة ، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف ، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة ، ويؤيده ما روى أنه لما اجتمع به ، وتحلل منه ، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو ، ويوسف خلفه يؤمن ، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين ، حتى نزل جبريل وقال : إن اللّه قد أجاب دعوتك في أولادك ، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة . وهو ، إن صح ، دليل نبوتهم ، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم ، قاله البيضاوي . الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - جعل للبشرية عينين حسيين ، تبصر بهما الحسيات ، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني . فالأول : يسمى البصر ، والثاني : البصيرة . فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة ، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة . وقد يغشى القلب ظلمة الكفر ، فتغطيهما معا ، وهو : عمى البصيرة . وقد يغشاه ظلمة المعاصي ، واتباع الحظوظ والهوى ، فتعمى عين الحقيقة ، وتضعف عين الشريعة ، ودواؤهما : إلقاء قميص المعرفة على وجه عين الحقيقة ، وجلباب العصمة على عين الشريعة ، فيرجع القلب بصيرا . ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص ، ويقول : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم ، تأتى بصيرة عارفة ، فإذا قرب منها هذا القميص هبّ عليها نسيم الوصال ، وهاج عليها الوجد والحال . وأنشدت بلسان المقال : سويداء قلبي أصبحت حرما لكم * تطوف بها الأسرار من عالم اللّطف وسائل ما بين المحبّين أصبحت * تجلّ عن التّعريف والرّسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم * عوارف عرف فاق كلّ شذا عرف