ابن عجيبة
624
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بحسن الصورة وكمال السيرة ، أو فضلك علينا رغما على أنفنا ، وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي : والحال أن شأننا أنّا كنا مذنبين فيما فعلنا معك . قالَ لا تَثْرِيبَ : لا عتاب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي : لا عقوبة عليكم في هذا اليوم . ثم دعا لهم فقال : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، فيوقف على اليوم . وقيل : يتعلق بيغفر ، فيوقف على ما قبله ، وهو بعيد ؛ لأنه تحكم على اللّه ، وإنما يصلح أن يكون دعاء ، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء ، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ، ثم دعا اللّه أن يغفر لهم اللّه حقه . قاله ابن جزى ، وصدر به البيضاوي . وبه تعلم ضعف وقف الهبطى . ثم قال في تمام دعائه : وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ؛ فإنه يغفر الصغائر والكبائر ، ويتفضل على التائب . قال البيضاوي : ومن كرم يوسف عليه السّلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له ، وقالوا : إنك تدعوننا بالبكرة والعشى إلى الطعام ، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك ، فقال لهم : إن أهل مصر كانوا ينظرون إلىّ بالعين الأولى ، ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت بكم ، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي ، وإني من حفدة إبراهيم عليه السّلام . ه . الإشارة : من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار ، فليدخل من باب الذل والانكسار . وفي الحكم : « ما طلب لك شئ مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار » . فإذا قرعت الباب ، ورمت الدخول مع الأحباب ، فقل بلسان التضرع والانكسار : يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر ، وهو البعد والغفلة ، وجئنا ببضاعة مزجاة ؛ عمل مدخول ، وقلب معلول ، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول ، وتفضل علينا بالقبول والوصول ، وقل : اليوم نغفر لكم ونغطى مساوءكم ، ونوصلكم بما منى إليكم من الإحسان ، لا بما منكم إلينا من الطاعة والإذعان . هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم ، واستقلوا بضاعتهم ، وأحضروا شكايتهم ، سمح لهم وقربهم ، وكشف لهم عن وجهه الجميل ، ومنحهم العطاء الجزيل ، فما ظنك بالرب العظيم الجليل ، الذي هو أرحم الراحمين ، ومحل أمل القاصدين . ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم ، والإتيان به وبمن معه من أولادهم ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 93 إلى 98 ] اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( 93 ) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 96 ) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ( 97 ) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 98 )