ابن عجيبة
62
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ما قيل لأهل الكتاب يقال لهذه الأمة المحمدية على طريق الإشارة ، فيقال لهم : لستم على شئ ، يعبا به من أعمالكم وأحوالكم ، حتى تقيموا كتابكم القرآن ، فتحلوا حلاله ، وتحرموا حرامه ، وتقفوا عند حدوده ، وتمتثلوا أوامره ، وتجتنبوا نواهيه ، وتقيموا - أيضا - سنة نبيكم ؛ فتقتدوا بأفعاله ، وتتأدبوا بآدابه ، وتتخلقوا بأخلاقه ، على جهد الاستطاعة ، ولذلك قال بعض السلف : ليس علىّ في القرآن أشد من هذه الآية : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ الآية . كما في البخاري « 1 » . ثم ذكر عتو اليهود وطغيانهم ، فقال : . . . وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يقول الحق جل جلاله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً من اليهود ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن والوحي طُغْياناً وَكُفْراً على ما عندهم ، فلا تحزن عليهم بزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم ، فإن ضرر ذلك لا حق بهم ، لا يتخطاهم ، قال ابن عباس : جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم وملك بن الصيف ورافع بن حريملة في جماعة من اليهود ، فقالوا : يا محمد ، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ، وأنك مؤمن بالتوراة وبنبوة موسى ، وأن جميع ذلك حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم أحدثتم وكتمتم وغيرتم » . فقالوا : إنا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق ، ولا نصدقك ولا نتبعك ، فنزلت فيهم هذه الآية . الإشارة : من شأن أهل المحبة والاعتقاد ، الذين سبقت لهم من اللّه العناية والوداد ، إذا ازداد على أشياخهم فيض علوم وأنوار وأسرار ؛ زادهم ذلك يقينا وإيمانا وعرفانا ، يجدون حلاوة ذلك في قلوبهم وأسرارهم ؛ فيزدادون قربا وشهودا ، وأهل العناد الذين سبق لهم من اللّه الطرد والبعاد ؛ إذا سمعوا بزيادة علوم وأنوار على أولياء اللّه ، زادهم ذلك طغيانا وبعدا ، فلا ينبغي الالتفات إليهم ، ولا الاحتفال بشأنهم ، فإن اللّه كاف شرهم ، وباللّه التوفيق . ثم رغب أهل الملل في الإسلام ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) قلت : ( والصابئون ) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن باللّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصابئون كذلك . انظر البيضاوي وابن هشام .
--> ( 1 ) القائل هو سيدنا سفيان بن عيينة ، وذكره البخاري في ( الرقاق - باب الرجاء والخوف ) .