ابن عجيبة

619

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لباطن الأمر حافظين ، فلا ندري أسرق ، أو أحد دسه في وعائه ؟ أو ما كنا حين أعطيناك العهد حافظين للغيب ، عالمين بالقدر المغيب ، وأنك تصاب به كما أصبت بأخيه . وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ؛ وهي القرية التي لحقهم فيها المنادى ، أي : أرسل إليهم واسألهم عن القصة إن اتهمتنا . وَ سل أيضا الْعِيرَ : أهل العير ، الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ، والعير : جماعة الإبل . وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به . هذا تمام وصية كبيرهم . فلما رجعوا إلى أبيهم ، وقالوا له ما قال لهم كبيرهم ، . قالَ لهم أبوهم : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي : زينت لكم أمرا فصنعتموه ، وإلا فمن أين يدرى الملك أن السارق يؤخذ في السرقة ، إذ ليست بشريعته ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي : فأمرى صبر جميل ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ؛ بيوسف وبنيامين ، وأخيهما الذي بقي بمصر ؛ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم ، الْحَكِيمُ في تدبيره . روى أن عزرائيل دخل ذات يوم على يعقوب - عليهما السّلام - فقال له يعقوب : جئت لقبض روحي ، أو لقبض روح أحد من أولادي وأهلي ؟ . قال : إنما جئت زائرا ، فقال له : أقسمت عليك باللّه إلا ما أخبرتني ، هل قبضت روح يوسف ؟ فقال : لا ، بل هو حي سوىّ ، وهو ملك وله خزائن ، وجنود وعبيد ، وعن قريب يجمع اللّه شملك به . ه . الإشارة : فلما استيأس القلب من الدنيا ، والرجوع إليها ، وقطع يأسه من حظوظها وهواها ، خلصت له المناجاة ، وصفت له أنوار المشاهدات ، وأنواع المكالمات ، والقلب هو كبير الأعضاء وملكها ، فيقول لها : ألم تعلموا أن اللّه قد أخذ عليكم موثقا ألا تعصوه ولا تخالفوه ، ومن قبل هذا ، وهو زمان البطالة ، قد فرطتم في عبادته ، فلن أبرح أرض العبودية حتى يأذن لي في العروج إلى سماء شهود عظمة الربوبية ، أو يحكم لي بالوصال ، وهو خير الحاكمين . فإن وقعت من الجوارح هفوة فيقال لها : ارجعوا إلى أبيكم - وهو القلب - فقولوا : إن ابنك سرق ، أي : تعدى وأخذ ما ليس له من الهوى فيما ظهر لنا ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، فرب معصية في الظاهر طاعة في الباطن ، واسأل البشرية التي كنا فيها والخواطر التي أقبلنا على المعصية فيها ، فيقول القلب : بل زينت لكم أنفسكم أمر الهوى ، فدواؤكم الصبر الجميل ، والتوبة للعظيم الجليل ، عسى اللّه أن يأتيني بهم جميعا ، فنصرفهم في طاعة اللّه ومرضاته . واللّه تعالى أعلم بأسرار حكم كتابه ، فعلم الإشارة يقبل مثل هذا وأكثر . وإياك والانتقاد ؛ فقد قالوا في باب الإشارة أرق من هذا وأغرب . وباللّه التوفيق .