ابن عجيبة
618
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( نجيأ ) : حال ، أي : انفردوا عن الناس مناجين . وإنما أفرده ؛ لأنه مصدر ، أو بزنته . و ( من قبل ما ) : يحتمل أن تكون مزيدة ومصدرية مرفوعة بالابتداء ، أي : تفريطكم في يوسف واقع من قبل هذا . قاله ابن جزى . وفيه نظر ؛ فإن الظرف المقطوع لا يقع خبرا ، أو منصوبة بالعطف على مفعول ( تعلموا ) ، أي : لم تعلموا أخذ ميثاق أبيكم ، وتفريطكم في يوسف قبل هذا . يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا ؛ أي : يئسوا مِنْهُ من يوسف أن يجيبهم إلى ما دعوه إليه من أخذ أحدهم مكان أخيهم ، خَلَصُوا أي : تخلصوا من الناس ، وانفردوا عنهم نَجِيًّا متناجين ، يناجى بعضهم بعض : كيف وقع للصاع ؟ وكيف يتخلصون من عهد أبيهم ؟ ثم فسر تلك المناجاة : قالَ كَبِيرُهُمْ في السن ، وهو رويبيل ، أو في الرأي ، وهو شمعون ، وقيل يهوذا : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ؛ عهدا وثيقا ، وحلفتم له لتأتن بابنه إلا أن يحاط بكم ؟ فكيف تصنعون معه ، وَمِنْ قَبْلُ هذا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ واعتذرتم بالأعذار الكاذبة ؟ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ؛ فلن أفارق أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي في الرجوع ، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي : أو يقضى لي بالخروج منها ، أو بتخليص أخي منهم قهرا ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ؛ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق . روى أنهم كلموا العزيز في إطلاقه ، فقال رويبيل ، وقيل : يهوذا : أيها الملك ، لتتركن أخانا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل ، ووقف شعر جسده ؛ فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابنه الصغير ، واسمه نائل : قم إلى جنبه ومسّه ، فمسه ، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم لا يسكن غضبه إلا إذا مسه أحد من آل يعقوب ، فلما مسه ولد يوسف عليه السّلام سكن غضبه ، فقال : من هذا ؟ إن في هذا البلد لبذرا من بذر يعقوب . وقيل : إنهم هموا بالقتال ، وقال يهوذا لإخوته : تفرقوا في أسواق مصر ، وأنا أصيح صيحة نشق مراريهم ، فإذا سمعتم صوتي ، فاخربوا يمينا وشمالا ، فلما غضب ، وأراد أن يصيح ، مسه ولد يوسف فسكن ، فلما لم يسمعوا صوته أتوا إليه فوجدوه قد سكن غضبه ، فقال : إن هنا بذرا من آل يعقوب . ثم قال لهم : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ على ما شهدنا من ظاهر الأمر ، وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا بأن رأينا الصاع استخرج من وعائه . وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي : ما كنا