ابن عجيبة
611
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
: نسوق لهم الميرة - وهو : الطعام حين نرجع إلى الملك ، وَنَحْفَظُ أَخانا من المكاره في ذهابنا وإيابنا . . وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ بزيادة حمل بعير أخينا ، إذ كان يوسف عليه السّلام لا يعطى إلا كيل بعير لكل واحد . ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي : ذلك الطعام الذي أتينا به شئ قليل لا يكفينا حتى نرجع ويزيدنا كيل أخينا . أو ذلك الحمل الذي يزيدنا لبعير أخينا - كيل قليل عنده ، يسهل عليه لا يتعاظمه ، فلا يمنعنا منه . كأنهم استقلّوا ما كيل لهم ؛ فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ، ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم . وقيل : إنه من كلام يعقوب عليه السّلام ، والمعنى : أن حمل بعير شئ قليل لا يخاطر لمثله بالولد . قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ ؛ لأنى رأيت منكم ما رأيت ، حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ؛ حتى تعطونى ما أثق به من عهد اللّه ، وتحلفوا لي الأيمان الموثقة لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كل حال ، إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ؛ إلا أن تغلبوا ، ولا تطيقوا الإتيان به . أو : إلا أن تهلكوا جميعا ويحيط الموت بكم فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ؛ عهدهم وحلفوا له ، قالَ أبوهم : اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب الموثق وإتيان الولد وَكِيلٌ أي : مطلع رقيب ، لا يغيب عنه شئ . ثم وصاهم وَقالَ لهم : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ . وكانت في ذلك العهد خمسا : باب الشام ، وباب المغرب ، وباب اليمن ، وباب الروم ، وباب طيلون . فقال لهم : ليدخل كل أخوين من باب ، خاف عليهم العين ؛ لأنهم أهل جمال وأبّهة ، مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة ؛ فإذا دخلوا كبكبة واحدة أصابتهم العين . ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى ؛ لأنهم كانوا مجهولين حينئذ ، وللنفس آثار من العين ، وقد قال عليه الصلاة والسّلام : « العين حقّ ، تدخل الرّجل القبر والجمل القدر » « 1 » . وكان عليه الصلاة والسّلام يتعوذ منها ، بقوله : « اللهم إنّى أعوذ بك من كلّ نفس هامّة ، وعين لامّة » « 2 » . ويؤخذ من الآية والحديث : التحصن منها قياما برسم الحكمة . والأمر كله بيد اللّه . ولذلك قال يعقوب عليه السّلام : وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضى عليكم بما أشرت به عليكم ، والمعنى : أن ذلك لا يدفع من قدر اللّه شيئا ، فإن الحذر لا يمنع القدر ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فما حكم به عليكم لا ترده حيلة ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي : ما وثقت إلا به ، ولا ينبغي أن يثق أحد إلا به . وإنما كرر حرف الجر ؛ زيادة في الاختصاص ؛ ترغيبا في التوكل على اللّه والتوثق به .
--> ( 1 ) قال في كشف الخفاء : ( ح 1797 ) رواه أبو نعيم عن جابر مرفوعا ، وحديث « العين حق » بدون الزيادة ، متفق عليه . مكث أخرجه البخاري في ( الطب ، باب العين حق ) ومسلم في ( السّلام ، باب الطب والمرضى ) من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( كتاب الأنبياء ، باب 10 ) من حديث ابن عباس ، قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعوذ الحسن والحسين ويقول . . . وذكر الحديث .