ابن عجيبة
608
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
- بكسر الباء - على وزن إسرائيل ، قاله في القاموس . وقيل : كان يوسف عليه السّلام يعطى لكل نفس حملا ، ولا يزيد عليه ، فسألوه حملا زائدا لأخيهم من أبيهم ؛ فأعطاهم ، وشرط عليهم أن يأتوا به ؛ ليعلم صدقهم . ثم قال لهم : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ للأضياف . قال لهم ذلك ؛ ترغيبا في رجوعهم ، وقد كان أحسن ضيافتهم غاية الإحسان . روى أنه عليه السّلام نادى صاحب المائدة ، وقال له : لا تنزل هؤلاء بدار الغرباء ، ولا بدار الأضياف ، ولكن أدخلهم دارى ، وانصب لهم مائدة كما تنصبها لي ، واحفظهم وأكرمهم . فسأله عنهم ، فلم يجب ، فبسط لهم الفرش والوسائد ، فلما جن الليل أمر أن توضع بين أيديهم الموائد ، والشماع ، والمجامر ، وهم ينظرون من كوة إلى دار الأضياف ، وقد بلغ بهم الجهد ، فكانوا يعطونهم قرصة شعير لكل أحد من الغرباء ، وهم يرون ما بين أيديهم من الإكرام والطعام ، وقد بلغ الحمل من الطعام ألفا ومائتي دينار . فقال بعضهم لبعض : إن هذا الملك أكرمنا بكرامة ما أكرم بها أحدا من الغرباء ! فقال شمعون : لعل الملك سمع بذكر آبائنا فأكرمنا لأجلهم . وقال آخر : لعله أكرم فقرنا وفاقتنا . ويوسف عليه السّلام ينظر إليهم من كوة ويسمع كلامهم ، ويبكى . ثم قال لولده ميشا : أشدد وسطك بالمنطقة وأخدم هؤلاء القوم ، فقال له : من هم يا أبت ؟ فقال : هم أعمامك يا بنى ، قال : يا أبت هؤلاء الذين باعوك ؟ قال : نعم ، باعوني حتى صرت ملك مصر ، ما تقول يا بنى ، أحسنوا أم أساءوا ؟ قال : بل أحسنوا ، فما أقول لهم ؟ قال : لا تكلمهم ، ولا تفش لهم سرا حتى يأذن اللّه بذلك ، فبقوا في الضيافة ثلاثا أو أكثر ، ثم جهزهم ، وأرسلهم ، وشرط عليهم أن يأتوا بأخيه بنيامين . قال لهم : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ . أي : لا تدخلوا ديارى ولا تقربوا ساحتى ، قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي : سنجهد في طلبه منه ، وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ذلك ، لا نتوانى فيه ، وَقالَ لِفِتْيانِهِ ؛ لغلمانه الكيالين ، وقرأ الأخوان وحفص : لِفِتْيانِهِ ، بجمع الكثرة : اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ أي : ثمنهم الذي اشتروا به ، فِي رِحالِهِمْ ؛ في أوعيتهم . فأمر أن يجعل بضاعة كل واحد في رحله ، وكانت نعالا وأدما . وإنما فعل ذلك يوسف تكرما وتفضلا عليهم ، وترفقا أن يأخذ ثمن الطعام منهم ، وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به إليه . لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي : لعلهم يعرفون هذه اليد والكرامة في رد البضاعة إليهم ، فيرجعون إلينا . فليس الضمير للبضاعة ؛ لأن ميز البضاعة لا يعبر عنه بلعل ، وإنما المعنى : لعلهم يعرفون لها يدا وتكرمة ، ويرون حقها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، أي : لعل معرفتهم بهذه الكرامة تدعوهم إلى الرجوع . وقصد بذلك