ابن عجيبة
604
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال : إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ حين قلن لي : أطع مولاتك . وفي عبارته تعظيم لكيدهن ، والاستشهاد عليه بعلم اللّه ، وبراءته مما قذف به ، والوعيد لهن على كيدهن . ثم جمع الملك النسوة ، وكن ستّا أو سبعا ، مات منهن ثلاث ويوسف في السجن ، وبقي أربع ومعهن امرأة العزيز . و قالَ لهن : ما خَطْبُكُنَّ ؛ ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ أي : حين راودتن يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ، وأسند المراودة إلى جميعهن ؛ لأن الملك لم يتحقق أن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها . قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ؛ تنزيها للّه أن يعجز عن خلق عفيف مثله ، أو تنزيها ليوسف أن يعصيه ؛ لأجل خوف اللّه . وهذه تبرئة ليوسف ولهن ، أو لهن فقط . وتكون تبرئة يوسف في قولهن : ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ : من ذنب . قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي : تبين ووضح ، أو ثبت واستقر ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قوله : راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فلما رجع إليه الرسول ، وذكر ما قالته النسوة ، وما أقرت به امرأة العزيز ، قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي : فعلت ذلك التثبت والتأنى في الخروج ليعلم العزيز أنى لم أخنه في زوجته بِالْغَيْبِ في حال غيبته ، أو بظهر الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة ، بل تعففت عنها . وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي : لا ينفذه ولا يسدده . أو لا يهدى الخائنين لكيدهم . وأوقع الفعل على الكيد ؛ مبالغة . وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها ، وتوكيد لأمانته . روى عن ابن عباس أنه لما قال : لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل عليه السّلام : ولا حين هممت . فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي لا أنزهها في عموم الأحوال ، أو لا أزكيها على الدوام . قاله تواضعا وإظهارا للعبودية ، وتنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه ، ولا العجب بحاله ، بل إظهارا لنعمة العصمة والتوفيق . ثم قال : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بحيث إنها مائلة بالطبع إلى الشهوات ، فتهم بها ، وتستعمل القوى والجوارح في نيلها في كل الأوقات . ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي : إلا وقت رحمة ربى بالعصمة والحفظ ، أو : إلا ما رحم اللّه من النفوس فيعصمها من ذلك . وقيل : الاستثناء منقطع ، أي : لكن رحمة ربى هي التي تصرف الإساءة ، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يغفر ما همت به النفوس ، ويرحم من يشاء بالعصمة . أو يغفر للمستغفر ذنبه المعترف على نفسه ، ويرحمه بالتقريب بعد تعرضه للإبعاد . وقيل : إن قوله تعالى : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إلى هنا ، هو من كلام زليخا . والأول أرجح « 1 » .
--> ( 1 ) ورجح الحافظ ابن كثير القول الثاني ، وقال : إنه الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة .