ابن عجيبة

596

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز : إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ : تنهش الطَّيْرُ مِنْهُ ، قال : رأيت كأن العزيز دعاني ، وأخرجني من السجن ، ودفع لي طيفورة عليها خبز ، فوضعتها على رأسي ، والطير تأكل منه . نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ؛ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا . وإنما قالا له ذلك ؛ لأنهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبر رؤياهم ، أو من المحسنين إلى أهل السجن ، كان عليه السّلام إذا رأى محتاجا طلب له ، وإذا رأى مضيقا وسع عليه ؛ فقالا له : فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه . قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في النوم ، إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما تأويله في الدنيا . أو : لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة ؛ لتأكلاه إلا أخبرتكما به ، ما هو ؟ وما لونه ؟ وما صفته ؟ وكم هو ؟ قبل أن يأتيكما ، إخبارا بالغيب ، فيأتيهما كذلك ؛ معجزة . وصف نفسه بكثرة العلم والمكاشفة ؛ ليكون وسيلة إلى دعائهما إلى التوحيد . ثم قال لهما : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي والإلهام . وليس ذلك من قبيل التكهن أو التنجيم . روى أنهما قالا له : من أين لك هذا العلم ، وأنت لست بكاهن ولا منجم ؟ فقال لهما : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ ؛ طريقة قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي : علمني ذلك لأنى تركت ملة أهل الكفر ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، وإنما قال ذلك ؛ تمهيدا للدعوة ، وإظهارا أنه من بيت النبوة ؛ لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه ، والوثوق به . ما كانَ لَنا : ما صح لنا معشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أىّ شرك كان ، ذلِكَ التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي وَعَلَى النَّاسِ ببعثنا إليهم ، وإرشادنا إياهم وتثبيتهم عليه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ هذا الفضل ؛ فيعرضون عنه . أو من فضل اللّه علينا بالوحي والإلهام ، وعلى الناس بنصب الدلائل وإنزال الآيات . ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ، ولا يستدلون بها ، فيوحدون خالقها ، فهم كمن كفر النعمة ولم يشكرها . الإشارة : جرت عادة الحق - تعالى - في خلقه أنه لا يأتي الامتكان إلا بعد الامتحان ، ولا يأتي السلوان إلا بعد الأشجان ، ولا يأتي العز إلا بعد الذل ، ولا يأتي الوجد إلا بعد الفقد . فبقدر ما يضيق على البشرية تتسع ميادين الروحانية ، وبقدر ما تسجن النفس وتحبس عن هواها ، تتسع الروح في مشاهدة مولاها .