ابن عجيبة
593
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
دعت أربعين امرأة فيهن الخمس . وَأَعْتَدَتْ : أعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً ؛ ما يتكئن عليه من الوسائد ونحوها . وقيل : المتكأ : طعام ، فإنهم كانوا يتكئون للطعام عند أكله ، وقرىء في الشاذ : « متكأ » ، بسكون التاء وتنوين الكاف ، وهو الأترج . وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ليقطعن به . وهذا يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج . وقيل : كان لحما . وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ، فأسعفها ؛ لأنه كان مملوك زوجها ، فخرج عليهن ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ : عظمن شأنه وجماله الباهر ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر » . وقيل : كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران . وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ : جرحنها بالسكين ؛ لفرط الدهشة . اشتغلن بالنظر إليه ، وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن ، وهنّ لا يشعرن ، كما يقطع الطعام . وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ؛ تنزيها له عن صفات العجز عن أن يخلق مثله . أو تنريها له أن يجعل هذا بشرا . اعتقدوا أن الكمال خاص بالملائكة ، وكونه في البشر في حيز المحال ، أو تعجبا من قدرته على خلق مثله . ما هذا بَشَراً ؛ لأن هذا الجمال غير معهود للبشر . ، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ على اللّه ؛ لأن الجمع بين الجمال الرائق ، والكمال الفائق ، والعصمة البالغة . من خواص الملائكة . قالَتْ لهن : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ؛ توبيخا لهن على اللوم ، أي : فهو ذلك الغلام الكنعانى ، الذي لمتنني في الافتتان به قبل أن ترونه . ولو كنتن رأيتنّه لعذرتنّنى ، وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ : فامتنع طلبا للعصمة . أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها ؛ كي يعاونها على إلانة عريكته ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ به لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ الأذلاء ، وهو من صغر ، بالكسر ، يصغر صغارا . فقلن له : أطع مولاتك . قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من فعل الفاحشة ؛ بالنظر إلى العاقبة . وإن كان مما تشتهيه النفس . لكن ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا . قيل : إنما ابتلى بالسجن لقوله هذا ، وإنما كان اللائق به أن يسأل اللّه العافية ، فالاختيار لنفسه أوقعه في السجن ، ولو ترك الاختيار لكان معصوما من غير امتحان بالسجن ، كما كان معصوما وقت المراودة ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي : وإن لم تصرف عنى كَيْدَهُنَّ من تحبيب ذلك إلىّ ، وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة ، أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ؛ أمل إلى جانبهن بطبعي ومقتضى شهوتي ، وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ؛ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه . فإن الحكيم لا يفعل ما هو قبيح . أو من الذين لا يعملون بما يعلمون ، فإنهم جهال ، وكلامه هذا : تضرع إلى اللّه تعالى ، واستغاثة به .