ابن عجيبة
590
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَلَمَّا رَأى زوجها قميص يوسف قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ أي : قولك : ما جَزاءُ . . . إلخ . مِنْ كَيْدِكُنَّ ؛ من حيلتكن . والخطاب لها ولأمثالها ولسائر النساء ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ؛ لأن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب ، وأشد تأثيرا من النفس والشيطان ؛ لأنهن يواجهن به الرجال ، والنفس والشيطان يوسوسان مسارقة . ثم التفت العزيز إلى يوسف وقال : يُوسُفُ أي : يا يوسف . وحذف النداء ؛ إشارة إلى تقريبه وملاطفته ، أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر واكتمه ، ولا تذكره ، وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ؛ من القوم المذنبين ، من خطأ ؛ إذا أذنب متعمدا . والتذكير للتغليب . قاله البيضاوي . الإشارة : إذا أراد اللّه أن يصافى عبده بخصوصية النبوة أو الولاية ، كلأه بعين الرعاية ، وجذبه إليه بسابق العناية ؛ فإذا امتحنه أيّده بعصمته ، وسابق حفظه ورعايته . ولا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ؛ فالشهوة في البشر أمر طبيعي ، وبمجاهدتها ظهر شرفه . لكن النفس المطمئنة لا تحتاج في دفعها إلى كبير مجاهدة . والنفس اللوامة لا بد في دفعها من المكابدة والمجاهدة ؛ فالهواجم والخواطر ترد على القلوب كلها ، لكن النفس المطمئنة لها قوة على دفعها ، وقد تتصرف فيها بإمضاء ما قدره اللّه الواحد القهار عليها . وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . وذلك كمال في حقهم لا نقصان ؛ إذ بذلك تتميز قهرية الربوبية من ضعف العبودية ، فما ظهرت كمالات الربوبية إلا بظهور نقائص العبودية . أما الإصرار على العيوب فلا يوجد مع الخصوصية مطلقا ، وأما هجومها على العبد من غير إصرار فيكون مع وجود خصوصية النبوة والولاية ، وقد تقع بها الزيادة إن صحبها الانكسار والإنابة . وفي الحكم : « ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول » . واللّه تعالى أعلم . واعلم أن ما امتحن به الصديق عليه السّلام مع العصمة ، قد وقع مثله كثيرا في هذه الأمة المحمدية مع الحفظ والامتناع ؛ ذكر الرصاع في كتاب التحفة : أن بعض الطلبة كان ساكنا في مدرسة فاس ، فخرجت امرأة ذات يوم إلى الحمام بابنتها ، فتلفّت البنت وبقيت كذلك إلى الليل ، فرأت بابا خلفه ضوء ، فأتت إليه ، فوجدت فيه رجلا ينظر في كتاب ، فقالت : إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد . فقرعت الباب ، فخرج الرجل فذكرت له قصتها ، وأنها خافت على نفسها . فرأى أنه تعيّن عليه حفظها ، فأدخلها وجعل حصيرا بينه وبينها ، وبقي كذلك ينظر في كتابه ، فإذا بالشيطان زين له عمله ، فحفظه اللّه ببركة العلم ، فأخذ المصباح ، وجعل يحرك أصابعه واحدا بعد واحد حتى أحرقها ، والبنت تنظر إليه وتتعجب ، ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال ، فأحرق أصابع اليد الأخرى ، ثم لاح الضوء ، فقال : اخرجى ، فخرجت إلى دارها سالمة ، فذكرت القضية لوالديها ، فأتى أبوها إلى مجلس العلم ، وذكر القصة للشيخ ، فقال للحاضرين : أخرجوا أيديكم وأمنوا على دعائي لهذا الرجل ، فأخرجوا أيديهم ، وبقي رجل ، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية ، فناداه ، فأخبره ، فذكر أنه زوجه الأب منها . ه . مختصرا .