ابن عجيبة

588

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بها همّ ميل لا همّ إرادة . قال المحشى الفاسي : وفيه نظر ؛ لأن ذلك لا يتصور في النفوس المطمئنة . وإنما ذلك شأن أرباب التلوين والمجاهدة ، دون أهل التمكين والمشاهدة ، وخصوصا الأنبياء ؛ إذ صارت نفوسهم مشاكلة للروح ، مندرجة فيها ، ولذلك صارت مطمئنة ، وميلها حينئذ إنما يكون للطاعة ، وأما غير الطاعة ، فهي بمنزلة القذر والنتن تشمئز منه ، ولا يتصور بحال ميلها إليه . ثم أطال الكلام في ذلك . قلت : أما تفسير الهم بالميل فلا يليق بالنفس المطمئنة . وأما تفسيره بالخاطر فيتصور في المطمئنة وغيرها . وإنما سماه اللّه تعالى همّا في حق يوسف عليه السّلام ؛ لأن الأنبياء - عليهم السّلام - لعلو منصبهم ، وشدة قربهم من الحضرة ، يشدد عليهم في مطالبة الأدب ، فيجعل الخاطر في حقهم همّا ، وظنا . كما قال تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا « 1 » فيمن خفف الذال ، أو كما قال تعالى في حق يونس عليه السّلام : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ « 2 » ؛ على أحد التفاسير . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لخالطها . والبرهان الذي رأى : قيل : ناداه جبريل : يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء ، وتفعل فعل السفهاء . وقيل : رأى يعقوب عاضا على أنامله ، يقول : إياك يا يوسف والفاحشة . وقيل : تفكر في قبح الزنى فاستبصر . وقيل : رأى زليخا غطت وجه صنمها حياء منه ، فقال : أنا أولى أن أستحى من ربى . كَذلِكَ أي : مثل ذلك التثبيت ثبتناه ؛ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ؛ خيانة السيد ، وَالْفَحْشاءَ ، الزنى ؛ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصناهم لحضرتنا . أو من الذين أخلصوا وجهتهم إلينا . وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي : تسابقا إلى الباب ، وابتدرا إليه ، وذلك أن يوسف عليه السّلام فرّ منها ؛ ليخرج حين رأى البرهان ، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ، وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي : شقت قميصه من خلف لما اجتذبته لترده . والقدّ : الشق طولا ، والقطّ : الشق عرضا ، وَأَلْفَيا سَيِّدَها : وصادفا زوجها لَدَى الْبابِ ؛ وفيه إطلاق السيد على الزوج ، وإنما أفرد الباب هنا ، وجمعه في قوله : وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ لأن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من الدار . قالَتْ لزوجها : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ؟ قالته إيهاما أنها فرت منه ؛ تبرئة لساحتها عند زوجها ، وإغراء له عليه ؛ انتقاما لنفسها لما امتنع منها . قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي : طالبتنى بالمواقعة بها . قال ذلك تبرئة لساحته ، ولو لم تكذب عليه ما قاله .

--> ( 1 ) من الآية : 110 من سورة يوسف . ( 2 ) من الآية / 87 من سورة الأنبياء .