ابن عجيبة

585

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

على أمر يوسف ، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية ، والنصر والعز في عاقبة أمره ، خلاف ما أراد به إخوته ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الأمر كله بيده ، أو لا يفهمون لطائف صنعه ، وخفايا لطفه . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ؛ منتهى اشتداد جسمه ، وكمال عقله . وتقدم تفسير الهروي له ، وحده . وقيل : ما بين الثلاثين والأربعين ، آتَيْناهُ حُكْماً : حكمة ، وهي النبوة . أو العلم المؤيد بالعمل . أو حكما بين الناس بالعدل . وَعِلْماً يعنى : علم تأويل الأحاديث ، أو علما بأسرار الربوبية ، وكيفية آداب العبودية . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إذا كمل عقلهم ، وتوفر آدابهم ، وكمل تهذيبهم ، آتيناهم الحكمة وكمال المعرفة . وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه وإتقانه عمله في عنفوان شبابه . الإشارة : من ظن انفكاك لطف اللّه عن قدره ؛ فذلك لقصور نظره ، لا سيما لطفه بالمتوجهين إليه ، أو العارفين به الواصلين لحضرته . فكل ما ينزل بهم فإنما هو أقدار جارية ، وأمداد سارية ، وأنوار بهية ، وألطاف خفية ، تسبق لهم الأنوار قبل نزول الأقدار ، فلا تحوم حول قلوبهم الأكدار ، ولا تغير قلوبهم رؤية الأغيار ، عند نزول شدائد الأقدار ، يحفظ عليهم أسرار التوحيد ، وينزل عليهم أنوار التأييد ، عند نزول القضاء الشديد ، والبلاء العتيد . ولا بن الفارض رضي اللّه عنه : أحبّائى أنتم ، أحسن الّدهر أم أسا * فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل وقال صاحب العينية : تلذّ لي الآلام إذ كنت مسقمى * وإن تختبرني فهي عندي صنائع تحكّم بما تهواه فىّ فإنّنى * فقير لسلطان المحبّة طائع وقد جرت عادة اللّه تعالى أن يعقب الجلال بالجمال ، والمحن بالمنن ، والذل بالعز ، والفقر بالغنى ، فبقدر ما تشتد المحن تأتى بعدها مواهب المنن ، وبقدر ما ينزل من الجلال يأتي بعده الجمال . سنة اللّه في خلقه ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . لا راد لما قضى ، ولا معقب لما به حكم وأمضى . قال تعالى : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ : قال بعض المفسرين : هذه الآية هي قطب هذه السورة ، ثم قال : أراد آدم البقاء في الجنة ، وما أراد اللّه ذلك ، فكان الأمر مراد اللّه . وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام ، وأراد اللّه أن يكون إمام الكفرة اللئام ، فكان الأمر كما أراد اللّه . وأراد النمرود هلاك إبراهيم عليه السّلام ، ولم يرده اللّه ، فكان الأمر كما