ابن عجيبة

580

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

روبيل وضربه ، وكذلك جميع إخوته ؛ إذا لجأ لواحد منهم طرده ، فضحك عند ذلك يوسف عليه السّلام ، فقال له يهوذا : ليس هذا موضع الضحك يا يوسف ، فقال : من تعزز بغير اللّه ذل ، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما رأيت من قوتكم وشدتكم ، فسلطكم اللّه على بشؤم تلك الفكرة ؛ حتى لا يكون التوكل إلا عليه والتعزز إلا به . ه . بالمعنى . وقال الفراء : كانت زينب بنت يعقوب عليه السّلام - أخت يوسف - وكانت رأت في منامها كأن يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون ، فانتبهت فازعة ، ومضت إلى أبيها باكية ، فقالت يا أبت ، أين أخي يوسف ؟ قال : أسلمته إلى إخوته ، فمضت خلفه حتى لحقت به ، فأمسكته ، وتعلقت بذيله ، وقالت : لا أفارقك اليوم يا أخي أبدا ، فقال لها إخوتها : يا زينب ، أرسليه من يدك ، فقالت : لا أفعل ذلك أبدا ؛ لأنى لا أطيق فراق أخي ، فقالوا : بالعشي نرده إليك ويأتيك . ثم أقبل يوسف عليه السّلام يقبل رأسها ويديها ، ويقول لها : يا أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب ، فذهب ، وجلست تشيعه بعينها ، ودموعها تتناثر مما رأت ؛ خوفا عليه . ه . فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم ، وهموا بقتله ، فقال لهم يهوذا : أما عاهدتمونى ألا تقتلوه ؛ فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها ، فربطوا يده ، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ، ويحتالوا به على أبيهم ، فقال : يا إخوتاه ردّوا علىّ قميصى أتوارى به ، فقالوا : ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك . فلما بلغ نصفها ألقوه ، وكان فيها ماء ، فسقط ، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكى ، فجاءه جبريل بالوحي ، كما قال : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ . . . إلخ . وكان ابن سبع عشرة سنة ، وقيل : كان مراهقا . وقال ابن عطية : كان ابن سبع سنين ، أوحى إليه في صغره كما أوحى إلى يحيى وعيسى - عليهما السلام - . وفي القصص : أن إبراهيم عليه السّلام ، حين ألقى في النار ، جرد من ثيابه ، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحق ، وإسحق إلى يعقوب ، فجعله في تميمة علقها على يوسف ، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف . ثم قال له فيما أوحى إليه : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي : لتحدثنهم بِأَمْرِهِمْ هذا ؛ بما فعلوا بك ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف ، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم ، وطول العهد المغير للحال والهيئات . وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر ، حين دخلوا عليه ممتارين ، فعرفهم وهم له منكرون ، إلى أن قال لهم : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ « 1 » وفي رواية : أوحى إليه : يا يوسف لا تحزن على ما أصابك ، فإنك تصل إلى ملك كبير ، ويقف إخوتك بين يديك . بشره بما يؤول إليه أمره ، إيناسا وتطبيبا لقلبه . وقيل : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ متصل بقوله : وَأَوْحَيْنا أي : آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك .

--> ( 1 ) الآية 89 من سورة يوسف .