ابن عجيبة

571

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سورة يوسف مكية . وهي مائة وإحدى عشرة آية . وكأنها تتميم لما ذكر قبلها من قصص الأنبياء ، فهي من جملة ما يثبّت به الفؤاد ، ويقع به التسلية ، مما يواجه به العبد من الأنكاد . وإنما أفردت بالسورة ، لمزيد شرح وطول . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) قلت : ( قرآنا ) : حال ، و ( عربيا ) : نعت له . و ( لعلكم ) : يتعلق بأنزلناه أو بعربيا . و ( أحسن ) : مفعول ( نقصّ ) ، و ( بما أوحينا ) : مصدرية ، ويجوز أن يكون ( هذا القرآن ) : مفعول ( نقصّ ) ، و ( أحسن القصص ) : مصدر . يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المجتبى ، والمحبوب المنتقى ، تِلْكَ الآيات التي تتلى عليك هي آياتُ الْكِتابِ المنزل عليك من حضرة قدسنا ، الْمُبِينِ أي : الظاهر صدقه ، الشهير شأنه . أو الظاهر أمره في الإعجاز والبلاغة ، الواضح معانيه في الفصاحة ، والبراعة . أو المبين للأحكام الظاهرة والباطنة . أو البين لمن تدبره أنه من عند اللّه . أو المبين لمن سأل تعنّتا من أحبار اليهود سؤالهم ؛ إذ روى أنهم قالوا لكبراء المشركين : سلوا محمدا : لم انتقل يعقوب من الشام ؟ وعن قصة يوسف . فنزلت السورة . إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي : الكتاب ، قُرْآناً أي : مقروءا ، أو مجموعا ، عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي : أنزلناه بلغتكم كي تفهموه وتستعملوا عقولكم في معانيه ؛ فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص ، ولم يخالط من يعلم ذلك ، معجز ؛ إذ لا يتصور إلا بالإيحاء . نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ؛ أحسن الاقتصاص ؛ لأنه اقتص على أبدع الأساليب ، أو أحسن ما يقص ؛ لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر ، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ مشتملا على هذه السورة التي فيها قصة يوسف ، التي هي من أبدع القصص ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه